السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

42

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

قفر غدت ريح السّموم مثيرة * من أرضه نقعا إلى أفق السّما فكأنّما صعد التّراب ليشتكي * ما يلتقيه إلى السّماء من الظّما فمكثنا به يوما لم نستطب فيه يقظة ولا نوما ، ثم ارتحلنا منه إلى ( اللّيث ) « 1 » فألفيناه قد كشّر عن نابه ، وتحمّلنا منه تالين رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ « 2 » . ثم أتينا على ( ذكوان ) منزل طاب لنا فيه الوقت والأوان ، يشتمل على نخلات باسقة ، وشجرات فاغية « 3 » متناسقة ، وهو قريب من البحر ، بينه بينه وبين السّيف مسير ساعة مع عذوبة مائه وطيب هوائه . يزهى ببرّ وبحر من جوانبه * فالبرّ من طرف والبحر من طرف وما يزال نسيم من يمانية * يأتيك منه بريّا روضة أنف وفيه كان أول مشاهدتنا للبحر الزاخر ، والفلك الماخر ، فهالنا من أمر البحر ما رأيناه ، ووددنا إن لم نكن نراه ولا راءيناه « 4 » . ولما اكتسى الجوّ ثوب الأصيل أخذ الركب في التقويض والرحيل ، فما سرنا قليلا حتى ضللنا الطريق ، فتفرق لذلك جمع الفريق ، فصار الطريق طريقين ، والفريق فريقين ، وكانت ليلة نجمها مغموم ، وغيمها مركوم ، فلم نزل نقطع تلك الفلاة اليهماء ، ونخبط تلك الليلة الدهماء ، حتى نشر الصبح راياته ، وأرانا اللّه سبحانه آياته ، فهدانا إلى ( الوادين ) « 5 » وهو أكرم الهادين ، وهو المنزل الذي قصدناه ، والموضع الذي أردناه ، فالتأم به جمع القوم ، وأقمنا به ذلك اليوم ، وعلى ذلك قلت ( من قصيدة مدحت بها الوالد ) « 6 » :

--> ( 1 ) ( اللّيث ) ضبطه البكري وياقوت بكسر اللام : واد بأسفل السراة ، أو موضع بالحجاز ، ويظهر أن المؤلف اعتبر الكلمة مفتوحة اللام فورّى بها عن الأسد . ( 2 ) سورة البقرة / 286 . ( 3 ) الفاغية : نور الحناء ، ونور كل ما له رائحة طيبة . ( 4 ) راءيناه : قابلناه . ( 5 ) ( الوادين ) كذا ورد ، وتقتضيه السجعة ، وفي معجم ياقوت ، الواديين ( بياءين ) : بلدة في جبال السراة بقرب مدائن لوط ، وباليمن من أعمال زبيد : كورة عظيمة . ( 6 ) الذي بين القوسين غير موجود في ( ع ) .