السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
289
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
مع ذلك - حالا . وهو مع ذلك لا يألو فرحا ونشاطا ، فهلمّ إليه فعساك يخفّ عنك بعض ما ضقت به ذرعا ، فقمت منهم وانتهيت إلى شاب في عنقه جامعة ، وفي يديه غلّ ، وفي رجليه أربعة أزواج قيود ، فإذا هو جميل الوجه طيّب الرائحة ، وبين يديه غلام معه زكرة « 1 » شراب يسقيه منه ويجعل القدح على فم هذا الشاب فيكرع الفتى منه ، فإذا استوفى الشراب تغنّى بهذا الشعر : وما زلت أبكي بالدّيار وإنّما * بكائي على الأحباب ليس على الدّار قال : فلما رأيت حاله غاظني واللّه كلّ الغيظ ، وبلغ منّي كلّ مبلغ استنكارا لمثل هذا السرور والابتهاج في حال توجب ضدّ ذلك ، فدنوت منه وقلت : أبو من سرّك اللّه ؟ فقال : أبو الفوارس ، فقلت : ممّن النسب ؟ قال : من صميم كلب وعزّها وفخرها . فقلت : يا أبا الفوارس ، أما فيك من الرأي ما يفرّق بين النعيم والبؤس ، والرخاء والبلاء ؟ أما فيما دفعت إليه من البلاء العظيم ما يصدّك عن الغناء والشراب ؟ فتبسّم ضاحكا ثم قال : وهل يجوز أن يكون أعظم ممّا أنا فيه ؟ قلت : لا واللّه ، قال : بلى واللّه ، فإنّي من غد على ميعاد القتل والصّلب . فلما سمعت منه ما قال هالني الأمر ، وأنسيت ما كنت فيه من استعظام ما رأيت به فقلت : وتراك مع هذا تسيغ الشراب وتستوفي الألحان ؟ فقال : ( يا بائس ) « 2 » بيني وبين هذا بقية يومي ، وطول ليلتي ، وإلى ذلك يقضي اللّه أمورا لا يحصيها غيره ، ويبدّل أمورا لا يملك تغييرها وتبديلها سواه ، وما كنت ليطّلع اللّه عليّ آيسا من روحه فواق ناقة . ( فكأنه ) « 3 » جاءني ما لم أعرفه ، فقلت : اي واللّه إنّ الأمر الإلهيّ لكذلك . ثم أعرض عني وأخذ في شربه وغنائه ، فلما صلينا الصبح جاءنا السّجان فقال : قد قتل خمارويه وهرب أصحابه ، فاجمعوا لي شيئا اخلّ لكم باب السجن وأهرب ، فوزعنا له بيننا ألفي درهم ، وهرب في جوف اللّيل ، وفتح باب السجن . فما بقي أحد إلّا وصار إلى أهله ونعمته كما كان . وللّه درّ القائل :
--> ( 1 ) الزكرة ( بالضم ) : زق صغير للخمر . في ك ، وأ ( ركوة ) والركوة : إناء صغير للماء . ( 2 ) في ك ( يا آيس ) . ( 3 ) في ك ( قال : فكأني ) .