السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
268
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
أطاف بغيّه فنهيت عنها * وقلت له أرى أمرا شنيعا أردت رشاده جهدي فلمّا * أبى وعصى أتيناها جميعا وممّا يستملح من كلام بعضهم : يستحب من الخريف الخصب ، ومن الربيع الزهر ، ومن الجارية الملاحة ، ومن الغلام الكيس ، ومن الصاحب الرفق ، ومن القريب الانبساط ، ومن الغريب الانقباض . وقيل : لا شيء أسوأ لصحبة الأحرار من هتك أعراضهم ، فإن الحرّ لا يرضيه عن عرضه شيء . وعلى ذلك يحكى : أنّه كان للفضل بن يحيى كاتب نافذ في صناعته ، فبينما الفضل يوما قد خلا به في بيت يملي عليه كتابا ويخفض صوته ، فاحتاج الكاتب أن يستفهمه ما يخفى عليه من كلامه فاستعاده حرفين ، فشق ذلك على الفضل ، فقال للكاتب : كم تستعيدني يا بيطار ؟ وكان الفضل صلفا تيّاها بنفسه . فلما قال للكاتب هذا القول ألقى قلمه في دواته وأطبقها وقال للفضل : بهذا تعاشر الأحرار ، وهذا ما كنت أرجو منك ؟ فندم الفضل على ما كان منه وقال له : عد إلى كتابك . فحلف الكاتب بأغلظ الأيمان لا يكتب له أبدا ، فقلق الفضل من ذلك ، ودار بينهما كلام كثير ، وتأدّى الخبر إلى يحيى بن خالد ، فركب من ساعته حمارا مصريا كان يركبه من داره إلى دار ولده . فما شعر الفضل إلّا أن هجم عليه . فلما رأى أباه قام وقعد يحيى في الصدر ، وجلس الفضل ، ثم أمر الكاتب أن يجلس وقال : فبماذا أنتم ؟ فقال الفضل : كنت أملي عليه كتابا ، قال : بلغني الخبر ، وصدق الرجل . فإنّ الملوك لا يخدمون إلّا للاعتزاز بهم ، فإذا أسمعت كاتبك مثل هذا الكلام وأوغرت صدره فبماذا تجتلب نصحه ؟ ثم أقبل على الكاتب وقال : قد أعفيناك مما كرهت ، وأمرنا لك بمائة ألف درهم . فاختلف إلينا لنشغلك في بعض الأعمال التي تصلح لها . بعضهم « 1 » : إن كنت تبغي العلم أو أهله * وشاهدا يخبر عن غائب
--> ( 1 ) البيتان في العقد الفريد 2 / 311 من دون عزو ، وفي روايتهما اختلاف .