السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
245
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
كالفرخ ، فحسر عن وجهه ووضع فمه على أذنه وقال : يا جدّاه هؤلاء قوم قد قدموا من خراسان وفيهم شرفاء أولاد النبي صلى اللّه عليه وسلّم وقد سألوا أن تحدثهم كيف رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وماذا قال لك . فعند ذلك تنفس الشيخ وتكلم بصوت كصوت النحل بالفارسية ونحن نسمع ونفهم كلامه فقال : سافرت مع أبي وأنا شاب من هذه البلاد إلى الحجاز في تجارة ، فلما بلغنا بعض أودية مكة وكان المطر قد ملأ الأودية ، فرأيت غلاما أسمر اللّون مليح الكون ، حسن الشمائل وهو يرعى إبلا في تلك الأودية وقد حال السيل بينه وبين إبله وهو يخشى من خوض السيل لقوّته فعلمت حاله ، فأتيت إليه وحملته وخضت السيل إلى عند إبله من غير معرفة سابقة ، فلما وضعته عند إبله نظر إليّ وقال لي بالعربيّة : بارك اللّه في عمرك ، بارك اللّه في عمرك ، بارك اللّه في عمرك . فتركته ومضيت إلى سبيلي إلى أن دخلنا مكة وقضينا ما كنّا أتينا إليه من أمر التجارة وعدنا إلى الوطن ، فلما تطاولت المدة على ذلك ، كنا جلوسا في فناء ضيعتنا هذه في ليلة مقمرة رأينا البدر في كبد السماء وقد انشقّ نصفين ، فغرب نصف في المشرق ، ونصف في المغرب ساعة زمانية ، وأظلم الليل ثم طلع النصف من المشرق ، والنصف الثاني من المغرب إلى أن التقيا في وسط السماء وعاد كما كان أوّل مرّة ، فعجبنا من ذلك غاية العجب ، ولم نعرف لذلك سببا ، وسألنا الركبان عن خبر ذلك وسببه فأخبرونا : أنّ رجلا هاشميا ظهر بمكة وادّعى أنه رسول اللّه إلى كافة العالم ، وأن أهل مكّة سألوه معجزة كمعجزة سائر الأنبياء ، وأنّهم اقترحوا عليه أن يأمر القمر فينشق في السماء ويغرب نصفه في المغرب ، ونصفه في المشرق ، ثم يعود إلى ما كان عليه ففعل لهم ذلك بقدرة اللّه تعالى . فلمّا سمعنا ذلك من السفار اشتقت ( إلى أن أرى المذكور ) « 1 » فتجهزت في تجارة وسافرت إلى أن دخلت مكة ، وسألت عن الرجل الموصوف فدلّوني على موضعه ، فأتيت إلى منزله واستأذنت عليه فأذن لي ، ودخلت عليه فوجدته جالسا في صدر المنزل والأنوار تتلألأ في وجهه وقد
--> ( 1 ) في ك ( إلى رؤية ذلك النبي ) .