السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

224

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

غامرا والغامر عامرا ، والشمال جنوبا والجنوب شمالا ، ورتب في بيت الذهب حساب البدء الأول ، والتاريخ الأقدم الذي عليه عمل الهند في تاريخ البدءة وظهورها في أرض الهند وسائر الممالك . ولهم في البدء خطب طويل . وكان ملك البرهمن إلى أن هلك ثلاثمائة وستين سنة ، وولده يعرفون بالبراهمة إلى وقتنا هذا ، والهند تعظّمهم ، وهم أعلى أجناسهم وأشرافهم ، ولا يغتذون بشيء من الحيوان ، وفي رقابهم - الرجال والنساء منهم - خيوط صفر مقلّدون بها كحمائل السيوف فرقا بينهم وبين غيرهم من أنواع الهند . قلت : وما ذكره باق إلى زماننا هذا ، ولهم مذاهب تفرّدوا بها عن سائر ملل الهند . قال « 1 » : وكان قد اجتمع منهم في قديم الزمان في ملك البرهمن سبعة من حكمائهم المنظور إليهم منهم في بيت الذهب . فقال بعضهم لبعض : تعالوا حتى نتناظر فننظر ما قصّة العالم وما سرّه ؟ ومن أين أقبلنا ومن أين نمرّ ؟ وهل خروجنا من عدم إلى وجود حكمة أو ضد ذلك ؟ وهل خالقنا المخترع لنا والمنشيء لأجسامنا يستجلب بخلقنا منفعة ؟ أم هل يدفع بفنائنا عن هذه الدار عن نفسه مضرّة ؟ أم هل يدخل عليه من الحاجة والنقص ما يدخل علينا ؟ أم هل هو غني ( من كلّ وجه عن اقتنائه إيّانا وإبلائنا بعد وجودنا ؟ ) « 2 » . فقال الحكيم المنظور إليه منهم : أترى أحدا من الناس أدرك الأشياء الحاضرة والغائبة على حقيقة الادراك فظفر بالبغية واستراح إلى الثقة ؟ . وقال الحكيم الثاني : لو تناهت حكمة الباري عزّ وجلّ في أحد العقول كان ذلك نقصا من حكمته ، وكان الغرض غير مدروك ، وكان التقصير مانعا من الادراك . وقال الحكيم الثالث : الواجب علينا أن نبتدئ بمعرفة أنفسنا التي هي أقرب الأشياء منا ، ونحن أولى بعلمنا من أن نتفرغ إلى علم ما بعدنا .

--> ( 1 ) القول للمسعودي في مروج الذهب . ( 2 ) في مروج الذهب ( فما وجه أفنائه إيانا ، وإعدامنا بعد وجودنا وإيلامنا وملاذنا ) .