السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
161
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
صفا ذهنك ، وزادت قريحتك ، وتنقحت قوافيك ، فلازمنا تخرّج الناس ، وتهب لهم الذكاء ، وتحوّل الكودن عتيقا والمحمّر « 1 » جوادا . ثم لا يصرفه عن مجلسه إلّا بجائزة سنيّة . وإنّما يفعل ذلك ليغايظ الجماعة من الشعراء والفضلاء ، لأنّهم يعلمون أنّ ذلك الرجل لا يزن بيتا ، ولا يعرض « 2 » مصراعا ، ولا يذوق عروضا . وقال يوما : من في الدار ؟ فقيل : أبو القاسم الكاتب ، وابن ثابت ، فعمل في الحال بيتين وقال لإنسان بين يديه : إذا أذنت لهذين فادخل بعدهما بساعة وقل : قد قلت بيتين فإن رسمت لي إنشادهما أنشدت . وازعم أنّك بدهت بهما ، ولا تجزع من تأفيفي بك ، ولا تفزع لنكيري عليك . ودفع البيتين إليه ، وأمره بالخروج إلى الصحن . وأذن للرجلين حتى وصلا ، فلما جلسا وأنسا دخل الرجل ، وأخذ يتلمّظ يري أنّه يعرض شعرا ثم قال : يا مولانا قد حضرني بيتان فإن أذنت أنشدت ، قال : أنت أنشأت ؟ أنت أخرق سفيه سخيف لا تقول شيئا فيه خير ، اكفني أمرك وشعرك . قال : يا مولاي هي بديهتي فإن كسرتني ظلمتني ، وعلى كلّ حال فاسمع ، فإن كانا بارعين « 3 » وإلّا فعاملني بما تحب ، فالعبد عبدك والأمر أمرك . قال : أنت لجوج هات . فأنشد : يا أيّها الصّاحب تاج العلى * لا تجعلنّي نهزة الشّامت بملحد يكنى أبا قاسم * ومجبر يعزى إلى ثابت فقال الصاحب : قاتلك اللّه لقد أحسنت وأنت مسيء ، قال أبو القاسم فكدت أتفقّأ غيظا لأني علمت أنّها من فعلاته المعروفة ، وكان ذلك الجاهل لا يعرض بيتا . ولما توفي الصاحب رحمه اللّه تعالى رثاه أكثر شعراء عصره ( ووقفت على
--> ( 1 ) الكودن : البرذون الهجين ، وقيل : البغل . العتيق : الفرس الرائع . المحمّر : الفرس الهجين . ( 2 ) يعرض : من العروض في أوزان الشعر ، ولعلها تصحيف ( يقرض ) من القريض . ( 3 ) كذا وردت الجملة في الأصول وهي ناقصة .