السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
144
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
إذا ( قيس ) « 1 » به الشعر حلقه واستغنى فاعل ذلك عن النورة ، والحلق بالمواسي ، فدعوا برجل على ساعده شعر كثير فأمرّوا الحجر على شعره فلم يبق على ساعدة شعرة واحدة ، ففرح المتوكل ، وأمر بالخادم أن يبذرق إلى بلاد الروم . فقال الخادم : أمّا إذا وفى لي سيدي بالبذرقة فإنّ هذا الحجر يحتاج أن يطرح كل سنة عند طلوع الشعرى العبور « 2 » في دم تيس حار . فبذرقوا بالخادم ، فلما وصل ، وطلعت الشعرى العبور ووقد الهجير طرحوه في الدم فبطل عمله . فكان حلق هذا الحجر الشعر من العضو الذي عليه ، وجذبه إلى نفسه حتى ينفصل عنه ، ويلتصق به لمشاكلة طبيعيّة ، وذهاب ذلك بدم التيس لشدّة المنافرة والمغايرة ، ومثل هذا كثير . ورأينا بهذا البندر معبدا عظيما للّه نود فيه أصنام من ذهب وفضة مصوّرة على صورة الإنسان وصور الحيّات ، وقد صوّر حولها من الصخر المنحوت أصنام كثيرة ، فمنها صور بقر ، وصور رجال ونساء . وهذا المعبد بين عظيم منحوت كله من الصخر الأسود تقصده كفرة الهنود من الآفاق وتنذر له النذور ، ورأيناهم يسجدون للأصنام التي فيه ، والسرج فيه ليلا ونهارا لا تطفأ ، وله خدم وحجّاب وأتباع . وبجنبه نهر عظيم يخرّ من شاهق في بئر لا يعلم قرارها وهي ملآنة يمرّ الماء عليها بين جبلين عليهما من أنواع الأشجار والأزهار ما يجلّ عن الوصف ، ثم ينصب الماء إلى البحر . وحكى لنا أهل تلك البلاد أنّ بعض الوزراء أراد أن يعلم عمق هذه البئر التي يمرّ عليها هذا النهر ، فأنزل جماعة من الغاصة فلم يخرج منهم أحد ، ولا يعلم ما صاروا إليه ، وكثير من جهلة الهنود يعتقد في هياكلهم هذه القدم ، وأمّا علماؤهم فيزعمون أنّها تقرّبهم إلى اللّه زلفى . قال المسعودي : كان كثير من أهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف يعتقد أنّ اللّه عزّ وجل جسم ، وأنّ الملائكة أجسام ، وأن اللّه تعالى وملائكته
--> ( 1 ) ( إذا قيس ) كذا ورد في الأصول ، والصواب ( إذا قسّ ، أو قسّس ) للمجهول ، من قس الشيء تتبعه وطلبه ، والصاد لغة فيه . والقسّ ( مثلثة ) : تتبع الشيء وطلبه كالتقسّس . ( 2 ) الشعرى العبور : كوكب طلوعه في شدّة الحرّ .