ابن فضلان

30

رحلة ابن فضلان

يخيل إلينا أن سفيرا مبعوثا إلى أقاصي الأرض كان يجب أن يمتلك الكثير من الحكمة والحنكة ، لذلك نظنّ أنّه كان في الأربعينات من عمره عندما كلّف بمهمّته . ويخيّل إلينا أنّ بعثة مثل بعثته كانت تستلزم رجلا ذا ثقافة معقولة ، وهو ما نظنّ حاله ، وهو ما يدلّ عليه وصفه المتأنّي للبلدان والتقاليد التي شاهدها عيانا . ونعتقد أن هيئته وبزّته كانتا في غاية الرصانة ، وأنّه اختير لمقابلة ملوك الصقالبة والخزر والروس لأنّ شكله كان مقبولا بالنسبة إليهم وقريبا من أشكال الشعوب التي زارها . لم يرد توثيق لحياة ابن فضلان في أيّ من المراجع التي بين أيدينا ، بالضّبط مثلما لا توجد إلا أقلّ التفصيلات عن حياة المقدسيّ صاحب ( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ) الباهر ولا حياة الرحالة أبي دلف . وفي ذلك إشارة واضحة الآن إلى اللامبالاة التي كانت تميّز نظرة الثقافة العربية إلى أعمال الرحالة العرب ، وعدم اعتبار الكتابة في أدب الرحلة فنا رفيع المستوى يستحقّ إدراج مؤلفيه من بين مصنّفي ضروب الأدب الأخرى المبجّلين والمؤرّخ لهم بأكثر التفاصيل وأدقّها ( الفقهاء ، الشعراء ، الأطباء ، النحويين . . إلخ ) . تقع أهميّة رحلة ابن فضلان في أنّها تزوّد التاريخ العالميّ بشذرات مهمّة عن أنماط معيشة شعوب قلّما سجلت . إنّها تسدّ ثغرة تاريخية في هذا المجال وتعتبر رائدا في الإشارة لتاريخ الشعوب الصربيّة ، والروس منهم على وجه الخصوص . لقد قيل الكثير عن هذه الرحلة وترجمت أكثر من مرة لجميع اللغات الأساسيّة اليوم في العالم . ونودّ هنا أن نشير إلى أمرين اثنين : 1 - علاقة العرب بالآخر : لا تبدو علاقة العالم العربيّ ، أو أقلّها ثقافة الناطقين باللغة العربية من عرب وغير عرب ممّن كانوا يستخدمون العربية في حضارة كانت هذه اللغة بها شيئا ساميا وضروريا ، بمثل استلابها هذا اليوم مع الآخر ، وهو ما تبرهنه رحلة ابن فضلان . لم يكن الاختلاف البديهيّ بين الأنا والآخر ليتصاعد إلى المستوى الموصوف في كتابات البعض من الباحثين العرب المعاصرين ممّن يصفون العلاقة مع الحضارات الأخرى بمنطق الحذر والرّيبة ، بل إنّ ثنائية نهائية ومطلقة بين ( دار الإسلام ) و ( دار الكفر ) لم