ابن فضلان
119
رحلة ابن فضلان
--> هذا المرسى يخرج كل واحد منهم ومعه خبز ولحم ولبن وبصل ونبيذ حتى يوافي خشبة طويلة منصوبة لها وجه يشبه وجه الإنسان وحولها صور صغار ، وخلف تلك الصور خشب طوال قد نصبت في الأرض ، فيوافي إلى الصورة الكبيرة ويسجد لها ثم يقول : يا رب قد جئت من بعد ومعي من الجواري كذا وكذا رأسا ومن السمور كذا وكذا جلدا ، حتى يذكر جميع ما قدم معه من تجارته ، ثم يقول وقد جئتك بهذه الهدية ، ثم يترك ما معه بين يدي الخشبة ويقول : أريد أن ترزقني تاجرأ معه دنانير ودراهم فيشتري مني كلما أريد ولا يخالفني في جميع ما أقول ، ثم ينصرف فإن تعسر عليه بيعه وطالت أيامه عاد بهدية أخرى ثانية وثالثة ، فإن تعذر عليه ما يريد حمل إلى صورة من تلك الصور الصغار هدية وسألها الشفاعة وقال هؤلاء نساء ربنا وبناته ولا يزال إلى صورة صورة يسألها ويستشفع بها ويتضرع بين يديها ، فربما تسهل له البيع فباع فيقول : قد قضى ربي حاجتي وأحتاج أن أكافئه ، فيعمد إلى عدة من البقر والغنم على ذلك ويقتلها ويتصدق ببعض اللحم ويحمل الباقي فيطرحه بين يدي تلك الخشبة الكبيرة والصغار التي حولها ، ويعلق رؤوس البقر والغنم على ذلك الخشب المنصوب في الأرض حتّى إذا كان الليل وافت الكلاب فأكلت ذلك ، فيقول الذي فعله : قد رضي عني ربي وأكل هديتي . وإذا مرض منهم واحد ضربوا له خيمة ناحية عنهم وطرحوه فيها وجعلوا معه شيئا من الخبز والماء ولا يقربونه ولا يكلمونه بل لا يتعاهدونه في كل أيامه لا سيما إن كان ضعيفا أو كان مملوكا ، فإن برأ وقام رجع إليهم وان مات أحرقوه وإن كان مملوكا تركوه على حاله تأكله الكلاب وجوارح الطير ، وإذا أصابوا سارقا أو لصا جاؤوا به إلى شجرة طويلة غليظة وشدوا في عنقه حبلا وثيقأ وعلقوه فيها ويبقى معلقا حتى يتقطع من المكث إما بالرياح أو الأمطار ، وكان يقال لي إنهم كانوا يفعلون برؤسائهم عند الموت أمورا أقلها الحرق ، فكنت أحب أن أقف على ذاك ، حتى بلغني موت رجل منهم جليل فجعلوه في قبره وسقفوا عليه عشرة أيام حتى فرغوا من قطع ثيابه وخياطتها ، وذلك أن الرجل الفقير منهم يعملون له سفينة صغيرة ويجعلونه فيها ويحرقونها ، والغني يجمعون ماله ويجعلونه ثلاثة أثلاث فثلث لأهله وثلث يقطعون له ثيابا وثلث يشترون به نبيذا يشربونه يوم تقتل جاريته نفسها وتحرق مع مولاها ، وهم مستهترون بالخمر يشربونها ليلا ونهارا وربما مات الواحد منهم والقدح في يده ، وإذا مات الرئيس منهم قال أهله لجواريه وغلمانه من منكم يموت معه فيقول بعضهم أنا فإذا قال ذلك فقد وجب عليه لا يستوي له أن يرجع أبدا ، ولو أراد ذلك ما