ابن فضلان
114
رحلة ابن فضلان
--> فوهبهم بحضرتهم لغيرهم وهم ينظرون ، وكذلك دوابهم ومتاعهم وسلاحهم ودورهم ، وربما قطع كل واحد منهم قطعتين وصلبهم ، وربما علقهم بأعناقهم في الشجر ، وربما جعلهم إذا أحسن إليهم ساسة ، ولملك الخزر مدينة عظيمة على نهر إتل وهي جانبان ، في أحد الجانبين المسلمون وفي الجانب الآخر الملك وأصحابه ، وعلى المسلمين رجل من غلمان الملك يقال له : خز ، وهو مسلم ، وأحكام المسلمين المقيمين في بلد الخزر والمختلفين إليهم في التجارات مردودة إلى ذلك الغلام المسلم لا ينظر في أمورهم ولا يقضي بينهم غيره . وللمسلمين في هذه المدينة مسجد جامع يصلون فيه الصلاة ويحضرون فيه أيام الجمع ، وفيه منارة عالية وعدة مؤذنين ، فلما اتصل بملك الخزر في سنة 310 أن المسلمين هدموا الكنيسة التي كانت في دار البابونج أمر بالمنارة فهدمت وقتل المؤذنين وقال : لولا أني أخاف أن لا يبقى في بلاد الإسلام كنيسة إلا هدمت لهدمت المسجد . والخزر وملكهم كلهم يهود . وكان الصقالبة وكل من يجاورهم في طاعته ويخاطبهم بالعبودية ويدينون له بالطاعة ، وقد ذهب بعضهم إلى أن يأجوج ومأجوج هم الخزر » . انتهى كلام ياقوت الحموي . أما الإصطخري ( المتوفى في عام 346 ه : 957 م ) فيقول عن الخزر : « وأما الخزر فإنه اسم الإقليم ، وقصبته تسمى إثل ، وإثل اسم النهر الذي يجري إليه من الروس وبلغار ؛ وإثل قطعتان : قطعة على غربي هذا النهر المسمى إثل وهي أكبرها ، وقطعة على شرقيه ، والملك يسكن في الغربي منهما ؛ ويسمى الملك بلسانهم بك ، ويسمى أيضا باك ، وهذه القطعة مقدارها في الطول نحو فرسخ ، ويحيط بها سولر ، إلا أنه مفترش البناء ، وأبنيتهم خركاهات لبود إلا شيئا يسيرا بني من طين ، ولهم أسواق وحمامات ، وفيها خلق من المسلمين يقال إنهم يزيدون على عشرة آلاف مسلم ، ولهم نحو ثلاثين مسجدا ، وقصر الملك بعيد من شط النهر ، وقصره من آجر ، وليس لأحد بناء من آجر غيره ، ولا يسوغ الملك لأحد أن يبني بالآجر ، ولهذا السور أبواب أربعة ، منها إلى ما يلي النهر ومنها إلى ما يلي الصحراء على ظهر هذه المدينة ، وملكهم يهودي يقال إن له من الحاشية أربعة آلاف رجل ، والخزر مسلمون ونصارى ويهود وفيهم عبدة أوثان ، وأقل الفرق اليهود ، وأكثرهم المسلمون والنصارى ، إلا أن الملك وخاصته يهود . والغالب على أخلاقهم أخلاق أهل الأوثان ، يسجد بعضهم لبعض عند التعظيم ، وأحكام خصوا بها على رسوم قديمة مخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى ، وللملك من الجيش اثنا عشر ألف رجل ، وإذا مات منهم رجل أقيم آخر مكانه ، وليست لهم جراية دارة