ابن فضلان
106
رحلة ابن فضلان
عشرة أيام حتى فرغوا من قطع ثيابه وخياطتها . وذلك أنّ الرجل الفقير منهم يعملون له سفنة صغيرة ويجعلونه فيها ويحرقونها ، والغنيّ يجمعون ماله ويجعلونه ثلاثة أثلاث : فثلث لأهله وثلث يقطعون له به ثيابا وثلث ينبذون به نبيذا يشربونه يوم تقتل جاريته نفسها وتحرق مع مولاها . وهم مستهترون « 336 » بالنبيذ يشربونه ليلا ونهارا ، وربّما مات الواحد منهم والقدح في يده . وإذا مات الرئيس منهم قال أهله لجواريه وغلمانه : من منكم يموت معه فيقول بعضهم : أنا . فإذا قال ذلك فقد وجب عليه لا يستوي له أن يرجع أبدا ، ولو أراد ذلك ما ترك وأكثر من يفعل هذا الجواري . فلمّا مات ذلك الرجل الذي قدّمت ذكره قالوا لجواريه : من يموت معه فقالت إحداهن : أنا ، فوكلوا بها جاريتين تحفظانها وتكونان معها حيث سلكت حتى إنّها ربما غسلتا رجليها بأيديهما ، وأخذوا في شأنه وقطع الثياب له وإصلاح ما يحتاج إليه والجارية في كل يوم تشرب وتغني فرحة مستبشرة . فلمّا كان اليوم الذي يحرق فيه هو والجارية حضرت إلى النهر الذي فيه سفينته فإذا هي قد أخرجت ، وجعل لها أربعة أركان من خشب الخدنك وغيره ، وجعل أيضا حولها مثل الأنابير « 337 » الكبار من الخشب ثم مدّت حتى جعلت على ذلك الخشب ، وأقبلوا يذهبون ويجيئون ويتكلمون بكلام لا أفهم وهو بعد في قبره لم يخرجوه ، ثم جاءوا بسرير فجعلوه على السفينة وغشوه بالمضربات « 338 » الديباج الرومي « 339 » والمساند الديباج الرومي ، ثم جاءت امرأة عجوز يقولون لها ملك الموت ففرشت على السرير الفرش التي ذكرنا وهي وليت خياطته وإصلاحه وهي تقتل
--> ( 336 ) مستهترون : أي مواظبون على شرب النبيذ . ( 337 ) الأنابير جمع أنبار أو أنبير ، كلمة فارسية الأصل تعني فيما تعني الجسر الذي يوضع للسفينة . ( 338 ) المضربات : المساند . ( 339 ) الديباج الرومي : ضرب من الثياب ، وقيل هو المنسوج من ألوان مختلفة ، فارسي معرّب .