ابن خلدون

44

رحلة ابن خلدون

أما الشروح والتعليقات التي أثبتها في حواشي الكتاب ، فهي نوافل وزيادات تعبّر في أغلب الأحيان - عن خبرة خاصة بمقاصد المؤلف أو موضوع الكتاب . والكتاب - كما قدمت - مفتاح أول للذي يريد التعرف على ابن خلدون ، وقد رسم لنفسه فيه صورة لم تحل - لأسباب مختلفة - في عين معاصريه بمصر ، فصنعوا له صورة تختلف عما قاله عن نفسه أشد الاختلاف . وهنا تبدوا الحاجة الملحة إلى نوع من العناية خاص ، يقصد فيه الوقوف عند مواطن الاختلاف هذه ، التي اعتبرت فيما بعد منافذ واسعة تسربت منها ألوان من النقد شملت الكثير من نواحي حياة ابن خلدون ، بل كادت - بما اتسعت - أن تمس الثقة بما يرويه . ولذلك عرضت ما يقوله ابن خلدون في هذا الكتاب ، على كتب أخرى تناولت الموضوع نفسه بالحديث ، وأثبت نصها من غير تصرف فيه ليؤيد رواية ابن خلدون أو ينقضها ، وبذلك أصبح مصدر الحكم لابن خلدون أو عليه غير بعيد عن متناول الناقد النزيه . * * * وذكر ابن خلدون أمكنة مر بها وشاهدها حينا ، ولمناسبات غير ذلك أحيانا أخرى ، فوجب تحديد هذه الأماكن . وإذا أبحنا لأنفسنا - وكان يجب أن لا نفعل - أن نكتفي - عند إخراج كتب لا تتوقف الاستفادة منها على الدقة في التحديد - بالدلالة العابرة والإشارة السريعة الناقصة ؛ حيث إن أسماء البلاد بتلك الكتب جاءت بطريق العرض ، ولم تقصد بالذكر لذاتها - أقول : إذا استبحنا ذلك في إخراج تلك الكتب - وفي طبيعتها ما يبرر الاكتفاء باللمحة - فإنه لا يصح لنا ذلك بحالة من الأحوال في هذا النوع من الكتب التي تذكر فيها الأمكنة والبلدان ذكرا ذاتيا تلمح فيه النظرة الفاحصة المستقصية . وحيث إن البلاد وأسماءها معا ، تعرضت - بفعل الزمن - للتغير ، فقد حاولت - قدر جهدي - أن أذكر بجانبا لاسم العربي للمكان ، اسمه الذي يكتب بجانبه - على المصورات الجغرافية - بالحروف اللاتينية ، وأن أضع إزاءه كذلك خطه الطولي والعرضي محددا بالدرجات والدقائق - حاولت ذلك رغبة في أن يتضح المكان