ابن خلدون
426
رحلة ابن خلدون
أخرى غير الإدريسي مثل ابن سعيد أو « كتاب المشترك » لياقوت ، غير أن هذا لا يحدث إلا نادرا ، زد على ذلك أنّ ما ينقله منهم يرد عادة عن طريق الإدريسي نفسه . ولإعطاء مثال جيد لهذا نذكر موقفه من قصّة رؤيا الواثق التي كانت سببا في رحلة سلام الترجمان ، فهو يقول : إن هذه الرواية موجودة « في حكاية طويلة ليست من مقاصد كتابنا هذا » . كل هذا يضطرنا إلى الاعتراف بأن القسم المكرّس لتصنيف العلوم ووصفها في « المقدّمة » والقسم الخاص بالجغرافيا لا يقدّمان شيئا ذا أهمية بالنسبة لتاريخ الأدب الجغرافي . ولحسن الحظ فإنّ هذين القسمين لا يستنفذان جميع المادّة الجغرافية عند ابن خلدون ، ذلك أن كتابه يعدّ مصدرا جغرافيا هاما ، ففي فصول أخرى من « المقدّمة » تتناثر أفكار تتميّز بالأصالة والجدّة حتى بالنسبة للأدب الجغرافي العربي نفسه . وفي هذا المجال فإنّ « المقدّمات » الأخرى التي تلي « المقدّمة الثانية » المتضمّنة للقسم الجغرافي تمثّل أهميّة لا ريب فيها . « فالمقدّمة الثالثة » مثلا تبحث « في المعتدل من الأقاليم والمنحرف وتأثير الهواء في ألوان البشر » ، وتبحث الرابعة « في أثر الهواء في أخلاق البشر » ، والخامسة « في اختلاف أحوال العمران في الخصب والجوع ، وما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر وأخلاقهم » . كل هذه المسائل التي تبحث في أثر الإقليم والوسط الجغرافي في حياة البشر لم يحدث أن أخضعت قبل ابن خلدون لفحص منظّم ، فهو في هذا المضمار يجب أن يعدّ مجدّدا بلا ريب ، ومثل أفكاره هذه لم تظهر في أوروبا إلا بعد مضي عدّة قرون ، وذلك ابتداء من مونتسكيو Montesquieu . أما بالنسبة للجغرافيا الاقتصادية فإن عددا من أقسام « المقدّمة » يمتاز أيضا بقيمة لا تجارى ، وهذا لا يصدق مثلا على الفصل الثاني « في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل » ، وعلى الفصل الرابع « في البلدان والأمصار وسائر العمران وما يعرض في ذلك من الأحوال » ، ويصدق كذلك على الفصل الخامس « في المعاش ووجوهه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كلّه من الأحوال » . واهتمام ابن خلدون بالأمم شبه المتحضّرة يمثل واقعة نادرة في الأدب الجغرافي العربي ، وبوسع علماء الاثنوغرافيا المعاصرين أن يجدوا مادّة قيّمة في تصنيفه للأجناس ، كما وأن القسم