ابن خلدون

423

رحلة ابن خلدون

يشغل بالتقريب ثلث المقدّمة ، لا يرد فيه أي ذكر للجغرافيا ، بل وأكثر من ذلك لا يرد فيه أي ذكر للتاريخ ، أو لذلك العلم « الجديد » في « العمران » الذي وضع ابن خلدون مقدّمته قصدا لتفصيل القول فيه . وابن خلدون في تصنيفه للعلوم يفتقر إلى الأصالة ، فهو تارة يسير على النمط اليوناني في صورته العربية ، وطورا يتبع تصنيف « إخوان الصفاء » . وهو يقسم العلوم إلى مجموعتين كبيرتين هما « العلوم النقلية الوضعية » و « العلوم الحكمية الفلسفية » ؛ فالمجموعة الثانية تشارك فيها جميع الشعوب ، وهي تراث البشرية بأجمعها ، أمّا الأولى فهي خاصّة بالمسلمين وحدهم وأداتها هي اللغة العربية ، وهو يقصد بها أساسا ما يمكن أن يطلق عليه اسم العلوم الشرعية . ويتّفق تقسيمه بوجه عام مع التصنيف الثلاثي Trivium و « الرباعي » quadrivium للعلوم السائد في العصور الوسطى ، وينطبق في واقع الأمر على نفس ذلك التصنيف الذي نجده في معجم المصطلحات المشهور « مفاتيح العلوم » . وبما أن ابن خلدون يختتم قسم الرياضيات بالكلام على الفلك ( « الهيئة » ) فهو يضمّ إلى هذا الأخير « علم الأزياج » الذي يتضمن المعلومات في الجغرافيا الرياضية ؛ وعلى هذا فلا يوجد مجال للكلام على الجغرافيا الطبيعية والوصفية في تصنيف ابن خلدون . وعلى الرغم من ذلك فلم يكن في مقدور ابن خلدون أن يعارض الواقع ، ومن ثم فقد اضطر إلى أن يفرد قسما في مقدّمته ليعرض فيه المذهب التقليدي عند الجغرافيين العرب . وهذا القسم بدوره مثار لخيبة أمل لا تقلّ عن سابقتها لأنّ مادّته لا تخرج عن نطاق المعلومات المعروفة لنا جيدا ، وهو يمثّل « المقدّمة الثانية » من « الفصل الأوّل » من « الكتاب الأوّل » من مصنّفه في التاريخ « 4 » . ولهذه « المقدّمة الثانية » في الجغرافيا « تكملة » ( 18 ) يليها « تفصيل الكلام على هذه الجغرافيا » . والفصل الأوّل من مقدّمة ابن خلدون مكرّس برمّته لمسائل « العمران » عامّة ؛ وتبحث « المقدّمة الأولى « من هذا

--> ( 4 ) مما لا شك فيه أن ابن خلدون لم يطلق اسم « المقدمة » على الكتاب المعروف لدينا تحت هذا الاسم ، ولم يعتبره مطلقا كتابا مستقلا ، بل اعتبره دائما « الكتاب الأول » من مصنفه التاريخي « العبر » . ( المترجم ) .