ابن خلدون
422
رحلة ابن خلدون
من هذا يتضح لنا أنّ الآراء الجغرافية لابن خلدون يجب استجلاؤها لا اعتمادا على « الرحلة » بل من مؤلّفه التاريخي الضخم ، الذي يحمل عنوانا تغلب عليه الصنعة ، هو « كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر » . وقد ظهر حول هذا الكتاب عدد كبير من الأبحاث لا تخصّ في الواقع مؤلّفه التاريخي نفسه بقدر ما تتعلّق بمقدّمته المشهورة التي تبلغ في واقع الأمر ثلث حجم الكتاب . وجميع هذه أبحاث تتّفق في جوهرها على أن ابن خلدون لا يرتفع في القسم التاريخي من مصنّفه إلى مستوى تلك النظريات التي يعرض لها في المقدّمة . أما الأقسام المختلفة لتاريخه فليست متساوية بالطبع من حيث القيمة ، فقد لاحظ أماري مثلا ، وذلك في كلامه عن صقلية ، أنّ ابن خلدون يكتفي بنقل المادّة التاريخية دون أن يمحّصها ، شأنه في هذا شأن المؤرخين الآخرين ، ولكنّه يقدّم لنا في مقابل هذا مادة وفيرة في تاريخ البربر لم تكن معروفة قبله ؛ كما أن الفصل الذي أفرده لتاريخ الدويلات النصرانية في إسبانيا يشرّف الأدب العربي بأجمعه كما قال دوزي Dozy . وإذا كان من المستحيل كما رأينا اتخاذ موقف سلبي تام من مصنّفه التاريخي فإنّ مقدّمة كتابه تمثّل في مجموعها أثرا لا مثيل له لا بالنسبة لعصره فحسب ؛ بل وبالنسبة للأدب العربي بأجمعه . وفيها يفسّر ابن خلدون التاريخ لا على ضوء تطور النظم السياسية كما فعل اليونان ، بل على ضوء تطور الأوضاع الاقتصادية للمجتمع البشري في صوره البدوية ، والحضرية ، والمدنية . ولا يخلو من الطرافة ، من وجهة النظر الجغرافية ، أن نلاحظ أنّه يوزّع مادّته التاريخية لا على أساس الترتيب الزمني الذي سار عليه المؤرّخون ، بل على أساس الدول الحاكمة في كلّ قطر مراعيا في ذلك الترتيب الجغرافي . أمّا فيما يتعلّق بالجغرافيا خاصّة فإنّ « المقدّمة » مخيبة للأمل شيئا ما ، ففيها نبصر ذلك الانفصام المعهود في الأدب العربي بين المادة الجغرافية الواقعية من ناحية والاستنتاجات النظرية المبنية عليها من ناحية أخرى ؛ وحتى في هذا المجال الأخير فإنّ ابن خلدون يبدو ناقلا متبعا بصورة لم تكن متوقّعة من شخص في مثل ذكائه . ولعلّه ممّا يسترعي النظر حقّا أنّ الفصل السادس من المقدّمة المكرّس للعلوم وتصنيفها ، والذي