ابن خلدون
420
رحلة ابن خلدون
العالم آنذاك ، والذي شهده ابن بطوطة في موضع آخر . ولد ابن خلدون بتونس في عام 732 ه 1332 وبدأ وهو في سنّ مبكّرة حياته المستقلّة التي أحاط بها الكثير من القلق والاضطراب . وعلى الرغم من ميله الشديد إلى الدراسة فإنّ هذا لم يحل بينه وبين التقلّب في المناصب الحكومية طوال حياته تقريبا ، فشغل عددا من الوظائف الإدارية والكتابية قرّبته إلى حياة البلاط ، والدسائس السياسية التي شارك فيها أحيانا بنصيب وافر . وقد عاش ابن خلدون في جميع الإمارات التي تقاسمت المغرب آنذاك ، فإلى جانب تونس أقام بفاس متمتّعا بعطف السلطان أبي عنان من بني مرين ، وهو نفس ذلك السلطان الذي عاش في كنفه ابن بطّوطة ، وقد مرّت بنا قبل قليل إشارة ابن خلدون إلى هذا الأخير . وكان من بين أصدقاء ابن خلدون حين إقامته بغرناطة الوزير المشهور والأديب الكبير ابن الخطيب ، الذي أصبح فيما بعد عدوّا لدودا له ؛ وفي عام 765 ه 1363 اختاره أمير غرناطة ليكون سفيره إلى ملك قشتالة . ولم يقدّر لابن خلدون أن يستقرّ طويلا في موضع ما ، فعند رجوعه إلى إفريقيا أخذ يتنقّل بين عدد من المدن مثل : بجاية ، وبسكره ، وتلمسان ، وفاس ، ثم رجع إلى الأندلس . وقد استطاع مرّة أن يخلو إلى نفسه بضعة أعوام ، وذلك ابتداء من عام 776 ه 1375 في بقعة شبة بدوية هي قلعة ابن سلامة من أعمال وهران ، انقطع فيها للقراءة والتأليف ، عاملا دون كلل في تحضير مقدّمة تاريخه . وفي خلال زيارة له إلى تونس بهدف جمع المادّة العلمية لتاريخه تبيّن له أنّ الإقامة بالمغرب لم تعد في مصلحته بسبب الاضطرابات السياسيّة ، فقرّر مغادرة تونس إلى المشرق متعلّلا بالحجّ ، وخرج من المغرب إلى غير رجعه في عام 784 ه 1382 . وبعد أن أقام بعض الوقت بالإسكندرية غادرها إلى القاهرة التي كانت تعدّ بحق مركز الثقافة الإسلامية في ذلك العصر ؛ وهنا تمتّع ابن خلدون برعاية السلطان المملوكي برقوق ، وشغل في عهده وعهد ابنه السلطان فرج منصب قاضي قضاة المالكية لمرّات عديدة ابتداء من عام 786 ه 1384 ؛ وأدّى فريضة الحجّ لأوّل مرّة في عام 789 ه - 1387 . وقد لاحقته الدسائس في مصر ، فأعفي من منصبه القضائي ستّ مرّات ، وأمضى بضعة أعوام انقضت عام 797 ه - 1394 في عزلة بالفيّوم ، كان من أسبابها الحزن العميق الذي أصابه بسبب نكبة أسرته في حادث غرق سفينة . وفي بداية القرن