ابن خلدون

416

رحلة ابن خلدون

والقوم في عدد لا يسعه الإحصاء ، إن قدرت ألف ألف فغير كثير ، ولا تقول أنقص ، وإن خيّموا في الأرض ملأوا السّاح ، وإن سارت كتائبهم في الأرض العريضة ضاق بهم الفضاء ، وهم في الغارة والنهب والفتك بأهل العمران ، وابتلائهم بأنواع العذاب ، على ما يحصلونه من فئاتهم آية عجب ، وعلى عادة بوادي الأعراب . وهذا الملك تمر من زعماء الملوك وفراعنتهم ، والنّاس ينسبونه إلى العلم ، وآخرون إلى اعتقاد الرفض ، لما يرون من تفضيله لأهل البيت ، وآخرون إلى انتحال السّحر ، وليس من ذلك كلّه في شيء ، إنّما هو شديد الفطنة والذّكاء ، كثير البحث واللّجاج بما يعلم وبما لا يعلم ، « 1851 » عمره بين الستّين والسبعين ، وركبته اليمنى عاطلة من سهم أصابه في الغارة أيام صباه على ما أخبرني ، فيجرّها في قريب المشي ، ويتناوله الرجال على الأيدي عند طول المسافة ، وهو مصنوع له ، والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده . ولاية القضاء الثالثة والرابعة والخامسة بمصر كنت - لمّا أقمت عند السّلطان تمر تلك الأيام التي أقمت - طال مغيبي عن مصر ، وشيّعت الأخبار عنّي بالهلاك ، فقدّم للوظيفة من يقوم بها من فضلاء المالكية ، وهو جمال الدين الأقفهسي « 1852 » ، غزير الحفظ والذّكاء ، عفيف النّفس عن التّصدّي لحاجات النّاس ، ورع في دينه ، فقلّدوه منتصف جمادى الآخرة من السنة . فلمّا رجعت إلى مصر ، عدلوا عن ذلك الرأي ، وبدا لهم في أمري ، فولّوني في أواخر شعبان من السنة ، واستمررت على الحال التي كنت عليها من القيام بالحقّ ، والإعراض عن الأغراض ، والإنصاف من المطالب ، ووقع الإنكار عليّ ممّن لا يدين

--> ( 1851 ) في المنهل الصافي 1 / 423 ، 427 ( نسخة دار الكتب ) ، بعض الأمثلة لحب تيمور في الجدل واللجاج . ( 1852 ) هو عبد الله بن مقداد بن إسماعيل بن عبد الله الأفقهسي ، جمال الدين المالكي المتوفى سنة 823 . له ترجمة في « رفع الأصر » 136 أ ( نسخة دار الكتب ) .