ابن خلدون

412

رحلة ابن خلدون

وقلت : وبقيت لي أخرى ، فقال : وما هي ؟ فقلت : هؤلاء المخلّفون عن سلطان مصر . من القرّاء والموقّعين ، والدواوين ، « 1846 » والعمال ، صاروا إلى إيالتك والملك لا يغفل مثل هؤلاء فسلطانكم كبير ، وعمالاتكم متّسعة ، وحاجة ملككم إلى المتصرفين في صنوف الخدم أشدّ من حاجة غيركم ، فقال وما تريد لهم ؟ قلت : مكتوب أمان يستنيمون إليه ، ويعوّلون في أحوالهم عليه . فقال لكاتبه : أكتب لهم بذلك ، « 1847 » فشكرت ودعوت . وخرجت مع الكاتب حتى كتب لي مكتوب اأمان ، وختمه شاه ملك بخاتم السّلطان ، وانصرفت إلى منزلي . ولما قرب سفره واعتزم علم الرحيل عن الشام ، دخلت عليه ذات يوم ، فلما قضينا المعتاد ، التفت إليّ وقال : عندك بغلة هنا ؟ قلت نعم ، قال حسنة ؟ قلت نعم ، قال وتبيعها ؟ فأنا اشتريها منك ، فقلت : أيدك الله ! مثلي لا يبيع من مثلك ، إنّما أنا أخدمك بها ، وبأمثالها لو كانت لي ، فقال : أنا أردت أن أكافئك عنها بالإحسان ، فقلت : وهل بقي إحسان وراء ما أحسنت به ، اصطنعتني ، وأحللتني من مجلسك محلّ خواصّك ، وقابلتني من الكرامة والخير بما أرجو الله أن يقابلك بمثله ، وسكت وسكتّ وحملت البغلة - وأنا معه في المجلس - إليه ، ولم أرها بعد . ثم دخلت عليه يوما آخر فقال لي : أتسافر إلى مصر ؟ فقلت أيّدك الله ، رغبتي إنما هي أنت ، وأنت قد آويت وكفلت ، فإن كان السّفر إلى مصر في خدمتك فنعم ، وإلا

--> ( 1846 ) كذا في الأصلين . ولعل الصواب : « بالدواوين » ، أو « وأصحاب الدواوين » . ( 1847 ) ذكر هذه الشفاعة المقريزي في السلوك ورقة 239 ب في حوادث سنة 803 ( نسخة الفاتح ) .