ابن خلدون

411

رحلة ابن خلدون

الرجوع عن هذا الأمير تمر إلى مصر كنت لما لقيته ، وتدلّيت إليه من السور كما مرّ ، أشار عليّ بعض الصّحاب ممن يخبر أحوالهم بما تقدمت له من المعرفة بهم ، فأشار بأن أطرفه ببعض هدية ، وإن كانت نزرة فهي عندهم متأكدة في لقاء ملوكهم ، فانتقيت من سوق الكتب مصحفا رائعا حسنا في جزء محذو ، وسجّادة أنيقة ، ونسخة من قصيدة البردة المشهورة للأبوصيري « 1844 » في مدح النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وأربع علب من حلاوة مصر الفاخرة . وجئت بذلك فدخلت عليه ، وهو بالقصر الأبلق جالس في إيوانه ، فلمّا رآني مقبلا مثل قائما وأشار إلي عن يمينه ، فجلست وأكابر من الجقطية حفافية ، فجلست قليلا ، ثم استدرت بين يديه ، وأشرت إلى الهدية التي ذكرتها ، وهي بيد خدّامي ، فوضعتها ، واستقبلني ، ففتحت المصحف فلما رآه وعرفه ، قام مبادرا فوضعه على رأسه . ثم ناولته البردة ، فسألني عنها وعن ناظمها ، فأخبرته بما وقفت عليه من أمرها . ثم ناولته السّجادة ، فتناولها وقبلها . ثم وضعت علب الحلوى بين يديه ، وتناولت منها حرفا على العادة في التأنيس بذلك . ثم قسم هو ما فيها من الحلوى بين الحاضرين في مجلسه ، وتقبّل ذلك كلّه ، وأشعر بالرّضى به . ثم حومت على الكلام بما عندي في شأن نفسي ، وشأن أصحاب لي هنالك . فقلت أيدك الله ! لي كلام أذكره بين يديك ، فقال : قل . فقلت أنا غريب بهذه البلاد غربتين ، واحدة من المغرب الذي هو وطني ومنشئي وأخرى من مصر وأهل جيلي بها ، وقد حصلت في ظلك ، وأنا أرجو رأيك لي فيما يؤنسني في غربتي ، فقال : قل الذي تريد أفعله لك ، فقلت : حال الغربة أنستني ما أريد ، وعساك - أيدّك الله - أن تعرف لي ما أريد . فقال : انتقل من المدينة إلى الأردو « 1845 » عندي ، وأنا إن شاء الله أوفى كنه قصدك . فقلت يأمر لي بذلك نائبك شاه ملك ، فأشار إليه بإمضاء ذلك ، فشكرت ودعوت

--> ( 1844 ) هو شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد الدلاصي البوصيري الصنهاجي ( 608 - 694 ) على خلاف في تاريخ الوفاة . له ترجمة في فوات الوفيات 2 / 205 - 209 ، حسن المحاضرة 1 / 360 . ( 1845 ) الأردو : المعسكر ( تركية ) .