ابن خلدون
406
رحلة ابن خلدون
ذلك وجل ، فزوّرت في نفسي كلاما أخاطبه به ، وأتلطّفه بتعظيم أحواله ، وملكه . وكنت قبل ذلك بالمغرب قد سمعت كثيرا من الحدثان في ظهوره ، وكان المنجّمون المتكلّمون في قرانات العلويين « 1835 » يترقّبون القران العاشر في المثلّثة الهوائية ، « 1836 » وكان يترقّب عام ستة وستين من المائة السّابعة . فلقيت ذات يوم من عام أحد وستين بجامع القرويين من فاس ، الخطيب أبا عليّ بن باديس خطيب قسنطينة ، وكان ماهرا في ذلك الفن ، فسألته عن هذا القران المتوقّع ، وما هي آثاره ؟ فقال لي : يدلّ على ثائر عظيم في الجانب الشّمالي الشرقي ، من أمة بادية أهل خيام ، تتغلّب على الممالك ، وتقلب الدّول ، وتستولي على أكثر المعمور . فقلت : ومتى زمنه ؟ فقال : عام أربعة وثمانين تنتشر أخباره . وكتب لي بمثل ذلك الطّبيب ابن زرزر اليهودي ، طبيب ملك الإفرنج ابن أذفونش ومنجّمه . وكان شيخي رحمه الله إمام المعقولات محمد بن إبراهيم الآبلي متى فاوضته في ذلك ، أو سايلته عنه يقول : أمره قريب ، ولا بدّ لك إن عشت أن تراه . وأما المتصوفة فكنّا نسمع عنهم بالمغرب ترقّبهم لهذا الكائن ، ويرون إن القائم به هو الفاطميّ المشار إليه في الأحاديث النّبوية « 1837 » من الشيعة وغيرهم ، فأخبرني يحيى بن عبد الله حافد الشيخ أبي يعقوب البادسي كبير الأولياء بالمغرب ، إن الشيخ قال لهم ذات يوم ، وقد انفتل من صلاة الغداة : إن هذا اليوم ولد فيه القائم الفاطمي ، وكان ذلك في عشر الأربعين من المائة الثامنة ؛ فكان في نفسي من ذلك كلّه ترقّب له .
--> ( 1835 ) الكوكبان العلويان : زحل ، والمشتري ؛ والمراد بالقران - عند الإطلاق - اجتماع المشتري ، وزحل خاصة ( مفاتيح العلوم ص 232 ) . ( 1836 ) المثلثة : كل ثلاثة بروج تكون متفقة في طبيعة واحدة من الطبائع الأربع . ( مفاتيح العلوم ص 226 ) . ولعل ابن خلدون كان يعرف أن تيمور لنك « كان يعتمد على أقوال الأطباء والمنجمين ، ويقربهم ويدنيهم ، حتى إنه كان لا يتحرك بحركة إلا باختيار فلكي » ، فحدثه بهذا الحديث . وانظر المنهل الصافي 1 / 427 أ ( نسخة دار الكتب ) . ( 1837 ) ذكر هذه الأحاديث في المقدمة ص 151 وما بعدها ، طبع بولاق .