ابن خلدون

384

رحلة ابن خلدون

اعتمله « 1718 » في الحركة والسّفر لخضد شوكتهم ، وتفريق جماعتهم ، وخرج في جمادى حتى انتهى إلى غزّة ، فجاءه الخبر بأنّ نائب الشام تنم ، والأتابك ، والأمراء الذين معه ، خرجوا من الشّام زاحفين للقاء السّلطان ، وقد احتشدوا وأوعبوا ، وانتهوا قريبا من الرّملة ، « 1719 » فراسلهم السّلطان مع قاضي القضاة الشافعي صدر الدين المناوي ، « 1720 » وناصر الدين الرّمّاح ، أحد المعلّمين لثقافة الرّماح ، يعذر إليهم ، ويحملهم على اجتماع الكلمة ، وترك الفتنة ، وإجابتهم إلى ما يطلبون من مصالحهم ، فاشتطّوا في المطالب ، وصمّموا على ما هم فيه . ووصل الرّسولان بخبرهم ، فركب السّلطان من الغد ، وعبّى عساكره ، وصمّم لمعاجلتهم ، فلقيهم أثناء طريقه ، وهاجمهم فهاجموه ، ثم ولّوا الأدبار منهزمين . وصرع الكثير من أعيانهم وأمرائهم في صدر موكبه ، فما غشيهم الليل إلّا وهم مصفّدون في الحديد ، يقدمهم الأمير تنم نائب الشام وأكابرهم كلهم . ونجا الأتابك أيتمش إلى القلعة بدمشق ، فآوى إليها ، واعتقله نائب القلعة . وسار السّلطان إلى دمشق ، فدخلها على التعبئة في يوم أغرّ ، وأقام بها أياما ، وقتل هؤلاء الأمراء المعتقلين ، وكبيرهم الأتابك ذبحا ، وقتل تنم من بينهم خنقا ، ثم ارتحل راجعا إلى مصر . وكنت استأذنت في التقدّم إلى مصر بين يدي السّلطان لزيارة بيت المقدس ، فأذن لي في ذلك . ووصلت إلى القدس ودخلت المسجد ، وتبرّكت بزيارته والصّلاة فيه ، وتعفّفت عن الدخول إلى القمامة « 1721 » لما فيها من الإشادة بتكذيب الرآن ، إذ هو بناء أمم النّصرانية على مكان الصّليب بزعمهم ، فنكرته نفسي ، ونكرت الدّخول إليه . وقضيت من سنن الزيارة ونافلتها ما يجب ، وانصرفت إلى مدفن الخليل عليه

--> ( 1718 ) كذا في الأصلين ، ولعل الصواب : « اعتمل » . ( 1719 ) الرملة Ramleh عرضها الشمالي 31 - 57 ، وطولها الشرقي 34 - 35 ) : مدينة بفلسطين بينها وبين بيت المقدس نحو 18 ميلا ، كانت ذا شأن عظيم في الحروب الصليبية ، وانظر ياقوت 4 / 286 . ( 1720 ) صدر الدين محمد بن إبراهيم بن إسحاق الشافعي له ترجمة في « المقفى » للمقريزي 1 / 42 ( نسخة دار الكتب ) . ( 1721 ) القمامة ( بالضم ) : كنيسة كبرى ببيت المقدس ، وانظر تاج العروس ( قمم ) ، ياقوت 7 / 158 .