ابن خلدون

373

رحلة ابن خلدون

الألسنة . وكان ملوك تونس من الموحّدين ، يتعاهدون ملوك مصر بالهدية في الأوقات . ولما وصلت إلى مصر ، واتّصلت بالملك الظاهر ، وغمرني بنعمه وكرامته ، كاتبت السّلطان بتونس يومئذ ، وأخبرته بما عند الملك الظّاهر من التّشوّف إلى جياد الخيل ، وخصوصا من المغرب ، لما فيها الشّدّة والصّبر على المتاعب ، وكان يقول لي مثل ذلك ، وأنّ خيل مصر قصّرت بها الرّاحة والتّنعّم ، عن الصّبر على التّعب ، فحضضت السّلطان بتونس على إتحاف الملك الظاهر بما ينتقيه من الجياد الرّائعة ، فبعث له خمسة انتقاها من مراكبه ، وحملها في البحر في السّفين الواصل بأهلي وولدي ، فغرقت بمرسى الإسكندرية ، « 1688 » ونفقت تلك الجياد ، مع ما ضاع في ذلك السّفين ، وكلّ شيء بقدر . ثم وصل إلينا عام ثلاثة وتسعين شيخ الأعراب : المعقل بالمغرب ، يوسف بن عليّ ابن غانم ، كبير أولاد حسين « 1689 » ناجيا من سخط السّلطان أبي العبّاس أحمد بن أبي سالم ، من ملوك بني مرين بفاس ، « 1690 » يروم قضاء فرضه ، ويتوسّل بذلك لرضى سلطانه ، فوجد السّلطان غائبا بالشام في فتنة منطاش ، فعرضته لصاحب المحمل . فلمّا عاد من قضاء فرضه ، وكان السّلطان قد عاد من الشام ، فوصلته به ، وحضر بين يديه ، وشكا بثّه ، فكتب الظاهر فيه شفاعة لسلطان وطنه بالمغرب ، وحمّله مع ذلك هدية إليه من قماش وطيب وقسيّ ، وأوصاه بانتقاء الخيل له من قطر المغرب ، وانصرف ، فقبل سلطانه فيه شفاعة الظّاهر ، وأعاده إلى منزلته . وانتقى

--> ( 1688 ) في العبر 5 / 479 - 480 ، تفصيل للحديث عن هذه الهدية ، وع مساعي ابن خلدون في توثيق العلاقة بين المغرب ومصر . ( 1689 ) في العبر 8 / 148 : « . . . وكان يوسف بن علي بن غانم أمير أولاد حسين من المعقل ، حجّ سنة 93 ، واتصل بملك مصر من الترك الظاهر برقوق ، وتقدمت إلى السّلطان فيه ، وأخبرته بمحله من قومه ، فأكرم تلقيه ، وحمله - بعد قضاء حجه - هدية إلى صاحب المغرب » الخ . ( 1690 ) هو أبو العباس أحمد بن أبي سالم ؛ ملك من سنة 775 ، وتوفى بمدينة تازا . الاستقصا 2 / 140 وما بعدها .