ابن خلدون

323

رحلة ابن خلدون

إذا روعيت أشراطها ، وقصد الرّكاب إذا ضربت في طلب العلم آباطها ، « 1470 » عالم المدينة وإمام هذه الأمّة الأمينة ، ومقبس أنوار النبوّة من مشكاتها المبينة ، الإمام مالك بن أنس ، ألحقه الله برضوانه ، وعرّفنا بركة الاقتداء بهديه وعرفانه ، وعن سلف المؤمنين والمهتدين ، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدّين . أمّا بعد فإنّ الخلق عيال الله يكنفهم بلطفه ورحمته ، ويكفلهم بفضله ونعمته ، وييسّرهم لأسباب السعادة بآداب دينه وشرعته ، ويحملهم في العناية بأمورهم ، والرّعاية لجمهورهم ، على مناهج سنّته ولطائف حكمته . ولذلك اختار لهم الملوك الذين جبلهم على العدل وفطرته ، وهداهم إلى التمسّك بكلمته . ثم فضّلهم بما خوّلهم من سعة الرّزق وبسطته ، واشتقاق التمكين في الأرض من قدرته ، فتسابقوا بالخيرات إلى جزائه ومثوبته ، وذهبوا بالدرجات العلى في وفور الأجر ومزيّته . وإنّ مولانا السّلطان الملك الظاهر ، العزيز القاهر ، العادل الطاهر ، القائم بأمور الإسلام عندما أعيا حملها الأكتاد ، « 1471 » وقطب دائرة الملك الذي أطلع الله من حاشيته الأبدال « 1472 » وأنبت الأوتاد ، « 1473 » ومنفّق أسواق العزّ بما بذل فيها من جميل نظره المدخور والعتاد ، رحمة الله الكافلة للخلق ، ويداه المبسوطتان بالأجل والرّزق ، وظلّه الواقي للعباد بما اكتنفهم من العدل والحقّ ، قاصم الجبابرة ، والمعفّي على آثار الأعاظم من القياصرة ، وذوي التّيجان من التبابعة والأكاسرة ، أولي

--> ( 1470 ) يشير إلى الحديث : « تضرب أكباد الإبل في طلب العلم ، فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة » ، وسيأتي له بعد . ( 1471 ) جمع كتد ؛ وهو مجمع الكتفين من الإنسان . ( 1472 ) يورّي بالأبدال في مصطلح الصوفية ، وهم أشخاص سبعة ، يسافرون بأرواحهم من مكان إلى آخر ، ويتركون جسدهم في موضعهم الأول ، بحيث لا يحس أحد بسفرهم . عن « تعريفات » الجرجاني ص 27 ، و « تعريفات » ابن العربي ص 2 . ( 1473 ) والأوتاد عند الصوفية أيضا : عبارة عن أربعة رجال ، منازلهم على منازل الأربعة الأركان من العالم : الشرق ، والغرب ، والشمال ، والجنوب ؛ كل واحد منهم مقامه في تلك الجهة . عن الجرجاني في « التعريفات » ص 27 ، وابن العربي ص 2 . ويريد أن الدولة غنية بالرجال .