ابن خلدون

292

رحلة ابن خلدون

الحكمين ، « 1347 » معرضا عن الشّفاعات والوسائل من الجانبين ، جانحا إلى التّثبت في سماع البيّنات ، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمّل الشّهادات ، فقد كان البرّ منهم مختلطا بالفاجر ، والطّيّب ملتبسا بالخبيث ، والحكّام ممسكون عن انتقادهم ، متجاوزون عمّا يظهرون عليه من هناتهم ، لما يموّهون « 1348 » به من الاعتصام بأهل الشّوكة ، فإنّ غالبهم مختلطون بالأمراء ، معلّمين للقرآن ، وأئمّة في الصّلوات ، يلبسون عليهم بالعدالة ، فيظنون بهم الخير ، ويقسمون لهم الحظّ من الجاه في تزكيتهم عند القضاة ، والتّوسّل لهم ، فأعضل داؤهم ، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم ، ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بموجع العقاب ، ومؤلم النّكال ، وتأدّى إليّ العلم بالجرح في طائفة منهم ، فمنعتهم من تحمّل الشّهادة ، وكان منهم كتّاب لدواوين القضاة ، والتوقيع في مجالسهم ، قد دربوا « 1349 » على إملاء الدعاوى ، وتسجيل الحكومات ، « 1350 » واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود ، بإحكام كتابتها ، وتوثيق شروطها ، فصار لهم بذلك شفوف على أهل طبقتهم ، وتمويه على القضاة بجاههم ، يدّرعون « 1351 » به ممّا يتوقّعونه من عتبهم ، لتعرّضهم لذلك بفعلاتهم ، وقد يسلّط بعض منهم قلمه على العقود المحكمة ، فيوجد السبيل إلى حلّها بوجه فقهيّ ، أو كتابيّ ، ويبادر إلى ذلك متى دعا إليه داعي جاه أو منحة ، وخصوصا في الأوقاف التي جاوزت حدود النهاية في هذا المصر بكثرة عوالمه ، فأصبحت خافية الشهرة ، مجهولة الأعيان ، عرضة للبطلان ، باختلاف المذاهب المنصوبة للحكّام بالبلد ؛ فمن اختار فيها بيعا أو تمليكا شارطوه وأجابوه ، مفتاتين فيه على الحكّام الذين ضربوا دونه سدّ الحظر والمنع « 1352 » حماية عن التلاعب ، وفشا في

--> ( 1347 ) كذا بالأصول ؛ والمراد « المحتكمين » . ( 1348 ) التمويه : التلبيس والخداع . ( 1349 ) دربوا : مرنوا . ( 1350 ) جمع حكومة ، وهي الحكم . ( 1351 ) ادّرع : لبس الدّرع ، والمراد يحتمون . ( 1352 ) انظر حكم بيع الوقف ، وتمليكه في : « البهجة في شرح التحفة » 2 / 259 - 263 و « الابتهاج بنور السراج » 2 / 12 - 16 .