ابن خلدون

258

رحلة ابن خلدون

العزيز قد جمع شبابا من بني أبيه المرشّحين ، فحبسهم بطنجة ، « 1229 » فلمّا وافى محمد بن الكاس سبتة ، وقعت المراسلة بينه وبين ابن الأحمر ، وعتب كلّ منهما صاحبه على ما كان منه ، واشتدّ عذل ابن الأحمر على إخلائهم الكرسي من كفئه ، ونصبهم السعيد ابن عبد العزيز صبيّا لم يثغر ، فاستعتب له محمد ، واستقال من ذلك ، فحمله ابن الأحمر على أن يبايع لأحد الأبناء المحبوسين بطنجة ، وقد كان الوزير أبو بكر أوصاه أيضا بأنّه إن تضايق عليه الأمر من الأمير عبد الرحمن ، فيفرّج عنه بالبيعة لأحد أولئك الأبناء . وكان محمد بن الكاس قد استوزره السّلطان أبو سالم لابنه أحمد أيام ملكه ، فبادر من وقته إلى طنجة ، وأخرج أحمد ابن السّلطان أبي سالم « 1230 » من محبسه ، وبايع له ، وسار به إلى سبتة ، وكتب لابن الأحمر يعرّفه بذلك ، ويطلب منه المدد على أن ينزل له عن جبل الفتح ، فأمدّه بما شاء من المال والعسكر ، واستولى على جبل الفتح ، وشحنه بحاميته ، وكان أحمد ابن السّلطان أبي سالم ، قد تعاهد مع بني أبيه في محبسهم ، على أنّ من صار الملك إليه منهم ، يجيز الباقين إلى الأندلس ، فلمّا بويع له ذهب إلى الوفاء لهم بعهدهم ، وأجازهم جميعا ، فنزلوا على السّلطان ابن الأحمر ، فأكرم نزلهم ووفر جراياتهم . وبلغ الخبر بذلك كلّه إلى الوزير أبي بكر بمكانه من حصار الأمير عبد الرحمن بتازة ، فأخذه المقيم المقعد من فعلة ابن عمّه ، وقوّض « 1231 » راجعا إلى دار الملك ، وعسكر بكدية العرائس من ظاهرها ،

--> ( 1229 ) انظر مفصل هذه الأحداث في العبر 7 / 338 - 341 . وطنجة Tanger ) ، عرضها الشمالي 35 - 48 ، وطولها الغربي 5 - 48 ) : مدينة معروفة بالمغرب الأقصى ، واقعة على المحيط الأطلنطي ، يفصلها عن أوروبا مضيق جبل طارق الذي يبعد عنها شمالا بنحو 18 ميلا . ( 1230 ) هو السّلطان أبو العباس أحمد بن أبي سالم : إبراهيم بن سعيد بن يعقوب بن عبد الحق المريني يلقب بالمستنصر بالله . بويع بطنجة سنة 775 ، وتمت له البيعة العامة بالمدينة البيضاء من فاس الجديد سنة 779 ؛ وخلع سنة 786 . وفي سجن أبي العباس هذا ، مات ابن الخطيب السلماني لسان الدين . وانظر سلوة الأنفاس 3 / 166 ، الاستقصا 2 / 133 ، 136 ، 139 . ( 1231 ) قوض خيامه : هدمها ، والجيش : فرّقه .