ابن خلدون
222
رحلة ابن خلدون
النحور ، وتزيّنت الحور . وتبع هذه الأم بنات شهيرة ، وبقع للزّرع والضّرع خيره ، « 898 » فشفي الثّغر من بؤسه ، وتهلّل وجه الإسلام بتلك الناحية الناجية بعد عبوسه . ثم أعملنا الحركة إلى مدينة إطريرة ، على بعد المدى ، وتغلغلها في بلاد العدا ، واقتحام هول الفلا وغول الرّدى ؛ مدينة تبنّتها حمص « 899 » فأوسعت الدار ، وأغلت الشّوار ، « 900 » وراعت الاستكثار ، وبسطت الاعتمار ، « 901 » رجّح لدينا قصدها على البعد ، والطريق الجعد ، ما آسفت « 902 » به المسلمين من استئصال طائفة من أسراهم ، مرّوا بها آمنين ، وبطائرها المشؤوم متيمّنين ، قد أنهكهم « 903 » الاعتقال ، والقيود الثقال ، وأضرعهم الإسار وجلّلهم الانكسار ، فجدّلوهم « 904 » في مصرع واحد ، وتركوهم عبرة للرائي والمشاهد ، وأهدوا بوقيعتهم إلى الإسلام ثكل الواجد ، « 905 » وترة الماجد ، « 906 » فكبسناها كبسا ، وفجأناها بإلهام من لا يضلّ ولا ينسى ، وصبّحتها الخيل ، ثم تلاحق الرجل لمّا جنّ الليل ، وحاق بها الويل ، فأبيح منها الذّمار ، « 907 »
--> ( 898 ) الخيرة : المختار من كل شيء ؛ يريد : بقاع مختارة للزرع والضرع . ( 899 ) يريد إشبيلية ؛ سماها حمص جند بني أمية الذي نزل بها حين جاء من حمص الشام وقد فعلوا ذلك في كثير من مدن الأندلس . وانظر ياقوت 3 / 342 . ( 900 ) الشوار : متاع البيت ؛ ويريد به ما تعارف عليه الفقهاء ، مما يشترى من الصداق الذي يدفعه الزوج ، وتجهز به الزوجة من حلي ، وغطاء ، ووطاء الخ ؛ ذلك لأنه جعل « حمص » أمّا لإطريرة قد زوجتها وجهزتها ، فتغالت - لما في الأم من حب لابنتها - في هذا الجهاز الخ . فجاء بالألفاظ الفقهية بمعانيها التي اصطلحوا عليها . وانظر شرح تحفة الحكام 1 / 326 . ( 901 ) يريد بالاعتمار : الاستعمار ، والاستغلال . ( 902 ) آسفت : أغضبت ؛ والمعنى متصل بالآية : [ فلما آسفونا انتقمنا منهم ] . ( 903 ) أنهكهم : أجهدهم ، وأضناهم . ( 904 ) فجدّلوهم : صرعوهم . ( 905 ) الثكل : فقد المرأة ولدها ، وفقد الرجل ولده أيضا . والواجد : الحزين . ( 906 ) الترة : الذحل والثأر . والماجد : الكريم ، ومن له آباء متقدمون في الشرف . ( 907 ) الذمار : ما وراء الرجل مما يحق له أن يحميه . والدمار ( بالمهملة ) : الهلاك .