ابن خلدون
181
رحلة ابن خلدون
الهواجس ، « 571 » فأنا أحاشيكم من استشعار نبوة ، « 572 » أو إحقاق ظن « 573 » ؛ ولو تعلّق بقلب ساق حرّ ذرء وذرء ، « 574 » فحاش لله أن يقدح في الخلوص « 575 » لكم ، أو يرجع سوابقكم ، « 576 » إنما هو خبيئة الفؤاد إلى الحشر أو اللقاء . ووالله وجميع ما يقسم به ، ما اطّلع على مستكنّه مني غير صديقي وصديقكم الملابس - كان - لي ولكم الحكيم الفاضل العلم أبي عبد الله الشّقوري أعزّه الله . نفثة مصدور ، ومباثة « 577 » خلوص ، إذ أنا أعلم الناس بمكانه منكم ، وقد علم ما كان مني حين مفارقة صاحب تلمسان ، واضمحلال أمره ، من إجماع الأمر على الرّحلة إليكم ، والخفوف « 578 » إلى حاضرة البحر للإجازة إلى عدوتكم ، تعرّضت فيها للتّهم ، ووقفت بمجال الظنون ، حتّى تورّطت في الهلكة بما ارتفع عنّي مما لم آته ، ولا طويت العقد عليه ، لولا حلم مولانا الخليفة ، وحسن رأيه في وثبات بصيرته ، لكنت في الهالكين الأولين ؛ كل ذلك شوقا إلى لقائكم ، وتمثّلا لأنسكم ، فلا تظنّوا بي الظنون ، ولا تصدّقوا في التّوهّمات ، فأنا من علمتم صداقة ، وسذاجة ، وخلوصا ، واتّفاق ظاهر وباطن ، أثبت الناس عهدا ، وأحفظهم غيبا ، وأعرفهم بوزن الإخوان ومزايا الفضلاء ؛ ولأمر ما تأخّر كتابي من تلمسان فإنّي كنت أستشعر ممن استضافني ريبا بخطاب
--> ( 571 ) السخائم : الضغائن ، والموجدة في النفس . والهواجس الخواطر . ( 572 ) أحاشيكم : أنزهكم . واستشعار النبوة : إضمارها . والنبوة : الجفوة . ( 573 ) يقول : إني أجلّكم أن تصدقوا في الظنون ، فتحولوها إلى يقين ثابت وحقيقة واقعة . ( 574 ) ساق حر : ذكر القمارى ، ومن خلقه الوفاء . وبلغني ذرء من خبر : قليل منه . وأرجو أن يكون المعنى : إن وفائي لك بحيث لا تلحقه الريبة ، ولو جاز أن يتعلق بقلب ساق حر ، وقد سار المثل بوفائه ، قليل جدا من عدم الوفاء ، فمعاذ الله أن يتعلّق بقلبي هذا القليل فيقدح في حفظي لعهد الأخوة . ( 575 ) خلص الشيء خلوصا : صار خالصا ، ويستعمله ابن خلدون بمعنى الإخلاص . ( 576 ) جمع سابقة ؛ وهي ما تسبق الناس إليه . يريد : أياديكم التي أسديتموها إلي . ( 577 ) المباثة : مصدر ميمي بمعنى البث ؛ وهو أن تظهر لغيرك ما عندك من سر . ( 578 ) الخفوف : سرعة السير .