ابن خلدون
159
رحلة ابن خلدون
وكان تقدّم منه قبل هذه الرسالة كتاب آخر إليّ ، بعث به إلى تلمسان ، فتأخّر وصوله ، حتى بعث به الأخ يحيى عند وفادته على السّلطان ، ونصّ الكتاب : يا سيدي إجلالا واعتدادا ، وأخي ودّا واعتقادا ، ومحلّ ولدي شفقة سكنت منّي فؤادا . طال علي انقطاع أنبائك ، واختفاء أخبارك ، فرجوت إن تبلّغ النية هذا المكتوب إليك ، وتخترق به الموانع دونك ، وإن كنت في مباثتك كالعاطش الذي لا يروى ، والآكل الذي لا يشبع ، شأن من تجاوز الحدود الطبيعية ، والعوائد المألوفة ؛ فأنا الآن - بعد إنهاء التحيّة المطلوّلة الروض بماء الدموع ، وتقرير الشّوق اللّزيم ، « 466 » وشكوى البعاد الأليم ، وسؤال إناحة القرب قبل الفوت من الله ميسّر العسير ، ومقرّب البعيد ، - أسأل عن أحوالك سؤال أبعد الناس مجالا في مجال « 467 » الخلوص لك ، وأشدّهم حرصا على اتصال سعادتك ؛ وقد اتصل بي في هذه الأيام ما جرى به القدر من تنويع الحال لديك ، واستقرارك ببسكرة محلّ الغبطة بك ، باللجأ إلى تلك الرّياسة الزّكية ، الكريمة الأب ، الشّهيرة الفضل ، المعروفة القدر على البعد ؛ حرسها الله ملجأ للفضلاء ، ومخيّما لرجال العلياء ، ومهبّا لطيب الثناء ، بحوله وقوّته ؛ وما كلّ وقت تتاح فيه السلامة ؛ فاحمدوا الله على الخلاص ، وقاربوا « 468 » في معاملة الآمال ، وضنّوا « 469 » بتلك الذات الفاضلة عن المشاقّ ، وابخلوا بها عن المتالف ، فمطلوب الحريص على الدّنيا خسيس ، والموانع الحافّة جمّة ، والحاصل حسرة ، وبأقلّ السّعي تحصل حالة العافية ، والعاقل لا يستنكحه الاستغراق فيما آخره الموت ، إنّما ينال منه الضّروريّ ، ومثلك لا يعجزه - مع التماس العافية - أضعاف ما يزجّي « 470 » به العمر من المأكل والمشرب ، وحسبنا الله .
--> ( 466 ) اللزيم : الكثير اللزوم . ( 467 ) المحال ( بالكسر ) : التدبير ، وعلى رواية « مجال » يكون المجال الأول . ( مصدرا ) ، والمجال الثاني : مكان الجولان . ( 468 ) اقتصدوا ، واتركوا الغلوّ . ( 469 ) ضنوا : ابخلوا . ( 470 ) يزجّي : يتبلغ بالقوت القليل ، ويجتزئ به .