ابن خلدون

145

رحلة ابن خلدون

وانحجر أبو العبّاس بالبلد في شرذمة من الجند ، أعجله السّلطان أبو حمّو عن استيعاب الحشد ، ودافع أهل البلد أحسن الدفاع . وبعث السّلطان أبو العبّاس عن أبي زيّان بن السّلطان أبي سعيد عم أبي حمّو من قسنطينة ، كان معتقلا بها ، وأمر مولاه وقائد عسكره بشيرا « 357 » أن يخرج معه في العساكر ، وساروا حتى نزلوا بني « 358 » عبد الجبار قبالة معسكر أبي حمّو ، وكانت رجالات زغبة قد وجموا من السّلطان ، وأبلغهم النذير أنّه إن ملك بجاية اعتقلهم بها ، فراسلوا أبا زيان ، وركبوا إليه ، واعتقدوا معه . وخرج رجّل البلد بعض الأيام من أعلى الحصن ، ودفعوا شرذمة كانت مجمّرة إزاءهم ، فاقتلعوا خباءهم ، وأسهلوا من تلك العقبة إلى بسيط الرّشّة . وعاينهم العرب بأقصى مكانهم من المعسكر فأجفلوا ، وتتابع الناس في الانجفال حتى أفردوا السّلطان في مخيّمه ، فحمل رواحله وسار ، وكضّت « 359 » الطرق بزحامهم ، وتراكموا بعض على بعض ، فهلك منهم عوالم ، وأخذهم سكان الجبال من البربر بالنّهب من كلّ ناحية ، وقد غشيهم الليل ، فتركوا أزودتهم ورحالهم . وخلص السّلطان ومن خلص منهم بعد عصب الرّيق ، « 360 » وأصبحوا على منجاة . وقذفت بهم الطرق من كلّ ناحية إلى تلمسان ، وكان السّلطان أبو حمّو قد بلغه خروجي من بجاية ، وما أحدثه السّلطان بعدي في أخي وأهلي ومخلّفي ، فكتب إليّ يستقدمني قبل هذه الواقعة . وكانت الأمور قد اشتبهت ، فتفاديت بالأعذار ، وأقمت بأحياء يعقوب بن علي ، ثم ارتحلت إلى بسكرة ، فأقمت بها عند أميرها أحمد بن يوسف بن مزنى . فلمّا وصل السّلطان أبو حمّو إلى تلمسان ، وقد جزع للواقعة ، أخذ في استئلاف قبائل رياح ، ليجلب بهم مع عساكره على أوطان بجاية ، وخاطبني في ذلك لقرب عهدي باستتباعهم ، وملك زمامهم ، ورأى أن يعوّل عليّ في ذلك ،

--> ( 357 ) لبشير هذا ذكر في العبر 7 / 129 . ( 358 ) في بغية الرواد : « وابن عمه أبو زيان بن السّلطان أبي سعيد مطلّ عليه من جبل بني عبد الجبّار » ، ولعله أوضح . ( 359 ) كذا بالأصول ؛ ويريد اكتظت بالظاء . ( 360 ) عصب الريق : بفيه : إذا يبس عليه .