ابن خلدون

142

رحلة ابن خلدون

فاعتزمت على ذلك ، ونكر السّلطان أبو عبد الله ابن الأحمر ذلك مني ، لا يظنّه لسوى ذلك ، إذ لم يطلع على ما كان بيني وبين الوزير ابن الخطيب ، فأمضيت العزم ، ووقع منه الإسعاف ، والبرّ والإلطاف . وركبت البحر من ساحل المرية ، منتصف ست وستين . ونزلت بجاية لخامسة من الإقلاع ، فاحتفل السّلطان صاحب بجاية لقدومي ، وأركب أهل دولته للقائي . وتهافت أهل البلد عليّ من كل أوب يمسحون أعطافي ، ويقبّلون يديّ ، وكان يوما مشهودا . ثم وصلت إلى السّلطان فحيّا وفدّى ، « 343 » وخلع وحمل « 344 » ؛ وأصبحت من الغد ، وقد أمر السّلطان أهل الدولة بمباكرة بابي ، واستقللت بحمل ملكه ، واستفرغت جهدي في سياسة أموره وتدبير سلطانه ، وقدّمني للخطابة بجامع القصبة ، وأنا مع ذلك ، عاكف - بعد انصرافي من تدبير الملك غدوة - إلى تدريس العلم أثناء النهار بجامع القصبة لا أنفكّ عن ذلك . ووجدت بينه وبين ابن عمّه السّلطان أبي العبّاس صاحب قسنطينة فتنة ، أحدثتها المشاحّة في حدود الأعمال من الرعايا والعمّال ، وشبّ نار هذه الفتنة عرب أوطانهم من الذّواودة من رياح ، تنفيقا لسوق الزّبون يمترون « 345 » به أموالهم . وكانوا في كلّ سنة يجمع بعضهم لبعض ، فالتقوا سنة ستّ وستّين بفرجيوة ، وانقسم العرب عليهما . وكان يعقوب بن علي مع السّلطان أبي العبّاس ، فانهزم السّلطان أبو عبد الله ، ورجع إلى بجاية مفلولا ، بعد أن كنت جمعت له أموالا كثيرة أنفق جميعها في العرب . ولمّا رجع أعوزته النفقة ، فخرجت بنفسي إلى قبائل البربر بجبال بجاية المتمنّعين من المغارم منذ سنين ، فدخلت بلادهم واستبحت حماهم ، « 346 » وأخذت رهنهم على الطاعة ، حتى استوفيت منهم الجباية ، وكان لنا في ذلك مدد

--> ( 343 ) فدّى : قال جعلت فداك . ( 344 ) حمله : أعطاه ظهرا يحمل عليه . ( 345 ) يمترون به أموالهم : يستخرجونها . ( 346 ) سقط من الأصل « واستبحت حماهم » .