ابن خلدون

140

رحلة ابن خلدون

زيد وإخوته من فاس ، ليستبدّوا بثغورهم ، ويخّذّلوا الناس عن السّلطان أبي الحسن ، فوصلوا إلى بلادهم ، وملكوها بعد أن كان الفضل ابن السّلطان أبي بكر قد استولى عليها من يد بني مرين ، فانتزعوها منه . واستقرّ أبو عبد الله ببجاية ، حتى إذا هلك السّلطان أبو الحسن بجبال المصامدة ، وزحف أبو عنان إلى تلمسان سنة ثلاث وخمسين ، فهزم ملوكها من بني عبد الواد ، وأبادهم ، ونزل المدية ، وأطلّ على بجاية . وبادر الأمير أبو عبد الله للقائه ، وشكا إليه ما يلقاه من زبون « 336 » الجند والعرب ، وقلّة الجباية . وخرج له عن ثغر بجاية فملكها ، وأنزل عمّاله بها . ونقل الأمير أبا عبد الله معه إلى المغرب ، فلم يزل عنده في حفاية « 337 » وكرامة . ولما قدمت على السّلطان أبي عنان آخر خمس وخمسين واستخلصني ، نبضت عروق السّوابق بين سلفي وسلف الأمير أبي عبد الله ، واستدعاني للصّحابة فأسرعت ، وكان اللّطان أبو عنان شديد الغيرة من مثل ذلك . ثم كثر المنافسون ، ورفعوا إلى السّلطان ، وقد طرقه مرض أرجف له الناس ، فرفعوا له أن الأمير أبا عبد الله اعتزم على « 338 » الفرار إلى بجاية ، وأنّي عاقدته على ذلك ، على أن يوليني حجابته ، فانبعث لها السّلطان ، وسطا بنا ، واعتقلني نحوا من سنتين إلى أن هلك . وجاء السّلطان أبو سالم ، واستولى على المغرب ، ووليت كتابة سرّه . ثم نهض إلى تلمسان ، وملكها من يد بني عبد الواد ، وأخرج منها أبا حمّو موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن ، ثم اعتزم على الرجوع إلى فاس ، وولّى على تلمسان أبا زيّان محمد بن أبي سعيد عثمان بن السّلطان أبي تاشفين ، وأمدّه بالأموال والعساكر من أهل وطنه ، ليدافع أبا حمّو عن تلمسان ، ويكون خالصة له . وكان الأمير أبو عبد الله صاحب بجاية معه كما ذكرناه ، والأمير أبو العباس صاحب قسنطينة ، بعد أن كان بنو مرين حاصروا أخاه أبا زيد بقسنطينة أعواما تباعا . ثم خرج لبعض مذاهبه إلى بونة ، وترك أخاه أبا العبّاس بها ، فخلعه ، واستبدّ بالأمر دونه . وخرج إلى العساكر المجمّرة عليها من بني مرين ،

--> ( 336 ) يستعمل ابن خلدون الزبون اسما بمعنى الحرب . ( 337 ) الحفاية : المبالغة في الإكرام ، كالحفاوة . ( 338 ) اعتزم على الشيء : أراد فعله ، كعزم عليه .