ابن بطوطة
75
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ذكر انفصالي عنهم وسبب ذلك . واتفق في بعض الأيام أن عبدا من عبيد السلطان جلال الدين شكته زوجته إلى الوزير وأعلمته أن عنده سرّية من سراري السلطان يزني بها ، فبعت الوزير الشهود ودخلوا دار السّرية فوجدوا الغلام نائما معها في فراش واحد وحبسوهما ، فلما أصبحت وعلمت بالخبر توجهت إلى المشور وجلست في موضع جلوسي ولم أتكلم في شيء من أمرها ، فخرج إليّ بعض الخواص ، فقال ، يقول لك الوزير ألك حاجة فقلت : لا ! وكان قصده أن أتكلم في شأن السّرّية والغلام إذ كانت عادتي أن لا تقع قضية إلا حكمت فيها ، فلما وقع التغير والوحشة قصّرت في ذلك ، فانصرفت إلى داري بعد ذلك . وجلست بموضع الأحكام ، فإذا ببعض الوزراء ، فقال لي : الوزير يقول لك : إنه وقع البارحة كيت وكيت لقضية السّرية والغلام فاحكم فيهما بالشرع ، فقلت له : هذه قضية لا ينبغي أن يكون الحكم فيها الا بدار السلطان ، فعدت إليها ، واجتمع الناس وأحضرت السرية والغلام فأمرت بضربهما للخلوة ، وأطلقت سراح المرأة وحبست الغلام وانصرفت إلى داري ، فبعث الوزير إليّ جماعة من كبراء ناسه في شأن تسريح الغلام ، فقلت لهم : أتشفعون في غلام زنجيّ يهتك حرمة مولاه وأنتم بالأمس خلعتم السلطان شهاب الدين وقتلتموه بسبب دخوله لدار غلام له ؟ وأمرت بالغلام عند ذلك فضرب بقضبان الخيزران وهي أشد وقعا من السياط وشهّرته بالجزيرة وفي عنقه حبل . فذهبوا إلى الوزير فأعلموه ، فقام وقعد واستشاط غضبا وجمع الوزراء ووجوه العسكر وبعث عني فجئته وكانت عادتي أن أخدم له فلم أخدم . وقلت : سلام عليكم ثم قلت للحاضرين : اشهدوا عليّ أني قد عزلت نفسي عن القضاء لعجزي عنه ! فكلمني الوزير فصعدت وجلست بموضع أقابله فيه وجاوبته أغلظ جواب ، وأذّن مؤذن المغرب ، فدخل إلى داره وهو يقول : ويقولون إنّي سلطان وها أنا ذا طلبته لأغضب عليه فغضب علي ! وإنما كان اعتزازي عليهم بسبب سلطان الهند لأنهم تحققوا مكانتي عنده وإن كانوا على بعد منه ، فخوفه في قلوبهم متمكّن ، فلما دخل إلى داره بعث إليّ القاضي المعزول وكان جرّيء اللسان ، فقال لي : إن مولانا يقول لك : كيف هتكت حرمته على رؤوس الأشهاد ولم تخدم له ؟ فقلت له : إنما كنت أخدم له حين كان قلبي طيّبا عليه ، فلما وقع التغيّر تركت ذلك ، وتحية المسلمين إنما هي السلام « 234 » ، وقد سلّمت ! فبعثه إلي ثانية فقال : إنما غرضك السفر عنّا فأعط صدقات النساء وديون الناس وانصرف إذا شئت ، فخدمت له على هذا
--> ( 234 ) يعني قول : السلام عليكم .