ابن بطوطة

69

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

بها هلالا ، فسلم عليّ وأضافني ، وجاء إليّ ومعه أربعة رجال ، وقد جعل اثنان منهم عودا على أكتافهما وعلقا منه أربع دجاجات « 218 » ، وجعل الآخران عودا مثله وعلقا منه نحو عشر من جوز النّارجيل ، فعجبت من تعظيمهم لهذا الشيء الحقير فأخبرت أنهم صنعوه على جهة الكرامة والاجلال ! ورحلنا عنهم فنزلنا في اليوم السادس بجزيرة عثمان ، وهو رجل فاضل من خيار النّاس فأكرمنا وأضافنا ، وفي اليوم الثامن نزلنا بجزيرة لوزير يقال له التّلمدي ، وفي اليوم العاشر وصلنا إلى جزيرة المهل حيث السلطانة وزوجها ، وأرسينا بمرساها ، وعادتهم أن لا ينزل أحد عن المرسى إلا بإذنهم ، فأذنوا لنا في النزول ، وأردت التوجه إلى بعض المساجد فمنعني الخدام الذين بالساحل ، وقالوا : لا بد من الدخول إلى الوزير ، وكنت أوصيت الناخودة أن يقول إذا سئل عني : لا أعرفه ، خوفا من إمساكهم إياي . ولم أعلم أن بعض أهل الفضول قد كتب إليهم معرّفا بخبري واني كنت قاضيا بدهلي . فلما وصلنا إلى الدار وهو المشور نزلنا في سقائف على الباب الثالث منه ، وجاء القاضي عيسى اليمني فسلّم علي وسلمت على الوزير ، وجاء الناخوذة إبراهيم « 219 » بعشرة أثواب فخدم لجهة السلطانة ورمى بثوب منها ، ثم خدم للوزير ورمى بثوب آخر كذلك ورمى بجميعها ، وسئل عني فقال : لا أعرفه . ثم أخرجوا إلينا التنبول وماء الورد وذلك هو الكرامة عندهم ، وأنزلنا بالدار وبعث إلينا الطعام وهو قصعة كبيرة فيها الأرز وتدور بها صحاف فيها اللحم الخليع والدجاج والسمن والسمك . ولما كان بالغد مضيت مع الناخودة وقاضي عيسى اليمني لزيارة زاوية في طرف الجزيرة عمرها الشيخ الصالح نجيب « 220 » وعدنا ليلا ، وبعث الوزير إليّ صبيحة تلك الليلة كسوة وضيافة فيها الأرز والسمن والخليع ، وجوز النارجيل والعسل المصنوع منها وهم يسمونه القرباني ، بضم القاف وسكون الراء وفتح الباء الموحدة والف ونون وياء ، ومعنى ذلك ماء السكر ، وأتو بمائة الف ودعة للنفقة .

--> ( 218 ) كانت هذه عادة عندهم للتشهير بالتكريم للرجال المهدي إليهم ، هذا ويوجد لهذا « العود » اسم خاص في العربية الفصحى : الموسعة . ( 219 ) يظهر أنه هو نفسه الناخوذة الذي سماه ابن بطوطة قيل هذا بعمر . ( 220 ) زاوية الشيخ نجيب توجيد في منطقة لونوزيار Lonu Ziyare بالعاصمة مالي MALE . كانت البناية شيدت ذكرى للشيخ ، لكنها اختفت اليوم ولعلها تحولت إلى مسجد . - القرباني ( Hakurpani ) كلمة سينهالية - أو انها Gurapanya من أهل سنكريتي ، وتعني ماء السكر الأسمر الغير المكرر .