ابن بطوطة
317
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
روضها المجاور الأرواح . أحسن من الوشي اليماني تنميقا ، وأبدع من حلتي الغواني جمعا وتفريقا قد قام بقبليها على العادة جامع للمحاسن جامع . ومسجد يتحيّر فيه راء ويعجّب فيه سامع . قد لبست سقفه من الزخارف حللا . وجرت ذيل الإبداع والإتقان فضلا . وأزرت شمسا بالبدور وأبدت وجوه الابتهاج . وتلقت أعراب البدائع من الزجاج . وتقابلها بالجوف قبة صعدت ف الجو ، وتنزّه كمالها عن الليث واللو . وارتفعت ارتفاع النسر الطائر . وجمعت بين الحسن الباطن والحسن الظاهر . وتدور بهذه الزاوية المباركة من جهاتها الأربع براطل بديعة الاختراع . متقابلة الأشكال والأوضاع . قد قامت سواريها كأنها عرائس تجلي . وبأرضها من الصنائع ما هو أبدع من حللهن التي تبلى . وقد امتد من الجامع إلى القبّة صهريج بديع الطول والعرض . يلتفت عن زرق كأنّما عيونه عيون للأرض . ينسخ به الرياح دروعا لكنها فارسية ولربما جاءت بها المياه رافضة القياس كأنّما ظاهرية داودية . وبشاطئي هذا الصهريج أسدان لم يغل التبر ، حين نفق منهما الصفر ، ولم تبأ الزهر ، حين طلع أمامهما الزهر . للماء على أفواههما تحدر ، وللحباب أمامهما تحيّر وللحصا خيفة منهما تستر . من كل ثقيل على النفوس خفيف . قد سخر للصالحين وشرف أحسن تشريف . وعظم بمحله إيناس . فكأنما عرينه كناس وفي طي ذلك للتنعّم أنواع وأجناس . وفي كل ركن من أركان هذه الزاوية باب يشرع إلى دار بديعة البناء ، متناسبة الأجزاء ، مكملة المنافع . منيعة المصاعد والمصاعد والمطالع . إلّا الباب الذي بالجوف الموالي إلى جهة الغرب فإنه يشرع إلى دار وضوء أطردت فيها مياه ، وطابت لميازبها أفواه . وخرجت بها خطايا المتوضي مع آخر قطر الماء . فعاد نقيا من الذنوب إلى إخوانه الصلحاء مخلصا لمولانا أمير المؤمنين في الدعاء . شاكرا لتهممه بالفقراء وأبناء السبيل المشتاقين إلى الأوطان والأبناء . والمستضعفين الذي قصدوا جنابه الذي استهميت به سحائب النعماء ، واستنسقت غمائم الآلاء . والديار الثلاث المذكورة إحداها معينة لإمام هنالك ، والأخرى للمؤذّن الذي يسلك في إقامته شعائر الدين المناهج الواضحة المسالك . والثالثة للناظر في الأوقاف والأحباس ، المتصرّف في إعداد الطعام وترتيب الناس .