ابن بطوطة
312
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
طرق منها حماه ، ورماه الفتح الأول بما رماه ، وعلم أن لا تتصل أيدي المسلمين بإخوانهم إلّا من تلقائها ، وأنّه لا يعدم المكروه مع بقائها ، فأجلب عليها برجله وخيله ، وسد أفق البحر بأساطيله ، ومراكب أباطيله ، بقطع ليله ، وتداعى المسلمون بالعدوتين إلى استنقاذها من لهواته ، أو إمساكها من دون مهواته ، فعجز الحول ، ووقع بملكه إياها القول ، واحتازها قهرا وقد صابرت الضيق ما يناهز ثلاثين شهرا ، وأطرق الإسلام بعدها إطراق الواجم ، واسودّت الوجوه لخبرها الهاجم ، وبكتها حتى دموع الغيث الساجم ، وانقطع المدد إلا من رحمة من ينفّس الكروب ، ويغري بالإدالة الشروق والغروب . وبما شكنا بشبا اللّه تعالى نحوها ، وأغصصنا بجيوش الماء وجيوش الأرض تكاثر نجم السماء برها وبحرها ، ونازلناها نذيقها شديد النزال ، ونجحّها بصدق الوعيد في سبيل الاعتزال ، رأينا بأوا لا يظاهر إلا بالله تعالي ولا يطال ، وممنّعة يتحاماها الأبطال ، وجنابا روّضة الغيث الهطال ، أما أسواقها فهي التي أخذت النجد والغور ، واستعدّت بجدال الجلاد عن البلاد فارتكبت الدّور « 21 » ، تحوز بحرا من العمارة ثانيا ، وتشكّك أن يكون الإنس لها بانيا ، وأمّا أبراجها فصفوف وصفوف ، تزين صفحات المسايف منها أنوف ، وآذان لها من موامغ الصخر شنوف ، وأما خندقها فصخر مجلوب ، وسور مقلوب ، فصدقها المسلمون القتال بحسب محلّها من نفوسهم ، واقتران اغتصابها ببوسهم ، وأفول شموسهم ، فرشقوها من النبال بظلالة تحجب الشمس فلا يشرق سناها ، وعرجوا في المراقي البعيدة يفرعون مبناها ، ونفوسها أنقابا ، وحصونها عقابا ، ودخلوا مدينة إلبنة « 22 » بنتها غلابا ، وأحسبوا السيوف استلالا والأيدي اكتسابا « 23 » ، واستوعب القتل مقاتلتها السابغة الجبن ، البالغة المنن ، فأخذهم الهول المتفاقم ، وجدّلوا كأنّهم الأراقم ، لم تفلت منهم عين تطرف ، ولا لسان يلبي من يستطيع الخبر أو يستشرف . « ثم سمت الهمم الإيمانية إلى المدينة الكبرى فداروا سوارا على سورها ، وتجاسروا على اقتحام أودية الفناء من فوق جسورها ، وأدنوا إليها بالضّروب من حيل الحروب ، بروجا مشيدة ، ومجانيق توثق حبالها منها نشيدة ، وخفقت بنصر اللّه تعالى عذبات الأعلام ، وأهدت الملائكة مدد السلام ، فخذل اللّه تعالى كفّارها ، وأكهم « 24 » شفارها ، وقلّم بيد قدرته أظفارها ، فالتمسوا الأمان للخروج ، ونزلوا على مراقي العروج ، إلى الأباطح والمروج ، من سمائها ذات البروج ، فكان بروزهم إلى العراء من الأرض ، تذكرة بيون العرض ، وقد جلل المقاتلة الصّغار ،
--> ( 21 ) أي أنها وقعت في قضية دور ( وهو من مصطلح المنطق ) بسبب ما استعدت به من جدال المجالدة ؛ ولا ريب أن التلاعب بمصطلح أهل المناظرة هنا واضح . ( 22 ) في نسخة البنية ؛ والمقصود أن هذه المدينة « البنة » هي بنت الجزيرة الخضراء أي هي من توابعها . ( 23 ) يقابل هنا الاحتساب - وهو ما كان لوجه اللّه تعالي - وبين الاكتساب . ( 24 ) أكهم : أكلّ عن الضرب .