ابن بطوطة
310
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
الغريب ، وأقعدت أبراجها من بعد القيام والانتصاب ، وأضرعت مسايفها « 12 » لهول المصاب ، انصرف عنها المسلمون بالفتح الذي عظم صيته ، والعز الذي سما طرفه واشرأب ليته ، والعزم الذي حمد مسراه ومبيته ، والحمد للّه ناظم الأمر وقد راب شتيته ، وجابر الكسر وقد أفات الجبر مفيته . « ثم كان الغزو إلى أم البلاد ، ومثوى الطارف والتلاد ، قرطبة ، وما قرطبة ؟ المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان العمل ، والكرسي الذي بعصاه رعي الهمل ، والمصر الذي له في خطة المعمور الناقة والجمل ، والأفق الذي هو لشمس الخلافة العبشمية « 13 » الحمل ، فخيم الإسلام بعقوتها « 14 » المستباحة ، وأجاز نهرها المعيي على السّباحة ، وعم دوحها الأشب بوارا ، وأدار المحلّات بسورها سوارا ، وأخذ بمخنّفها حصارا ، وأعمل النصر بشجر بصلها « 15 » اجتناء ما شاء واهتصارا ، وجدّل من أبطالها من لم يرض انجحارا ، فأعمل إلى المسلمين إصحارا ، حتى فرغ بعض جهاتها غلابا جهارا ، ورفعت الأعلام إعلاما بعز الإسلام وإظهارا ، فلو لا استهلاك الغوادي ، وأن أتى الوادي ، لأفضت إلى فتح الفتوح تلك المبادي ، ولقضى تفثه « 16 » العاكف والبادي ، فاقتضى الرأي ولذنب الزمان في اغتصاب الكفر إياها متاب ، تعمل ببشراه بفضل اللّه تعالى أقتاد وأقتاب ، ولكل أجل كتاب - أن يراض صعبها حتى يعود ذلولا ، وتعفى معاهدها الآهلة فتترك طلولا ، فإذا فجع اللّه تعالى بمارج النار طوائفها المارجة ، وأباد بخارجها الطائرة والدارجة ، خطب السيف منها أمّ خارجة « 17 » ، فعند ذلك أطلقنا بها ألسنة النار ومفارق الهضاب بالهشيم قد شابت ، والغلات المستغلات قد دعا بها القصل فما ارتابت ، وكأن صحيفة نهرها لما أضرمت النار في « 18 » ظهرها ذابت ، وحييته فرّت أمام الحريق فانسابت ، وتخلفت لغمائم الدخان عمائم تلويها برءوس الجبال أيدي الرياح ، وتنشرها بعد الركود أيدي الاجتياح ، وأغريت بأقطارها الشاسعة ، وجهاتها الواسعة ، جنود الجوع ، وتوعدت بالرجوع ، فسلب أهلها لتوقع الهجوم
--> ( 12 ) المسايف : جمع مسيف ، ويعني بها لسان الدين في الأرجح ؛ المدماك ( أي السطر من البناء ) ( 13 ) العبشمية : نسبة إلى عبد شمس . ( 14 ) العقوة : الساحة . وفي ق : بعقرتها . ( 15 ) في نسخة : فأعمل النصر . . . نصها ، والمراد أن النصر حطم رماحها . ( 16 ) التفث في الحج : الحلق والتقصير وقص الأظفار ونحر البدن وغير ذلك مما يفعله الحاج إذا حل من إحرامه ، والمراد أنه استوفى حجه ، فكنى به لسان الدين عن بلوغ غاية الأرب . ( 17 ) أم خارجة : كانت سريعة الخطبة ولذلك قيل في المثل « أسرع من نكاح أم خارجة » وقد شبه قرطبة بها لتداول الغلبة عليها دهرا بعد دهر ، وألمح ابن شهيد إلى هذا حين نزل بقرطبة فقال : زنت بالرجال على سنها * فيا حبذا هي من زانيه ! ! ( 18 ) في نسخة : حافي ، ولعلها : حامي .