ابن بطوطة
305
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
يقطر فتنقط به الحروف وتفصل الأسطر ، وتوهّم المثول بمثواك المقدس لا يمر بالخاطر سواه ولا يخطر ، عن قلب بالبعد عنك قريح ، وجفن بالبكاء جريح ، وتأوّه عن تبريح ، كلّما هبّ من أرضك نسيم ريح ، وانكسار ليس له إلا جبرك ، واغتراب لا يؤنس فيه إلا قربك ، وإن يقض فقبرك ، وكيف لا يسلم في مثلها الأسى ، ويوحش الصباح والمسا ، ويرجف جبل الصبر بعدما رسا ، لولا لعلّ وعسى ، فقد سارت الركبان إليك ولم يقض مسير ، وحومت الأسراب عليك والجناح كسير ، ووعدت الآمال فأخلفت ، وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت ، ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشرف الأثيل ، إلّا على التمثيل ، ولا من المعالم الملتمسة التنوير ، إلّا على التصوير ، مهبط وحي اللّه تعالى ومتنزل أسمائه ، ومتردّد ملائكة سمائه ، ومدافن أوليائه ، وملاحد أصحاب خيرة أنبيائه ، رزقني اللّه تعالى الرضى بقضائه ، والصّبر على جاحم البعد ورمضائه - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى دار ملك الإسلام بالأندلس قاصية سيلك ، ومسحبة رجلك يا رسول اللّه وخيلك ، أنأى مطارح دعوتك ومساحب ذيلك ، حيث مصافّ الجهاد في سبيل اللّه وسبيلك قد ظللها القتام ، وشهبان الأسنّة أطلعها منه الإعتام ، وأسواق بيع النفوس من اللّه تعالى قد تعدد بها الأيامى والأيتام ، حيث الجراح قد تحلت بعسجد نجيعها النحور ، والشهداء تحفّ بها الحور ، والأمم الغريبة قد قطعها عن المدد البحور ، حيث المباسم المفترّة ، تجلوها المصارع البرّة ، فتحييها بالعراء ثغور الأزاهر ، وتندبها صوادح الأدواح برنّات تلك المزاهر ، وتحلّي السحاب أشلاءها المعطّلة من ظلّها بالجواهر ، وحيث الإسلام من عدوّه المكابد بمنزلة قطرة من عارض غمام ، وحصاة من ثبير أو شمام ، وقد سدت الطريق ، وأسلم الفراق الفريق ، وأغصّ الرّيق ، ويئس من الساحل الغريق ، إلا أن الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل الله تعالى وحبلك ، المهتدية بأدلّة سبلك ، سالم والحمد للّه تعالى من الانصداع ، محروس فيه وجود الطوائف المضلّة ، وإلا ما يخص الكفر من هذه العلّة ، والاستظهار على جمع الكثرة من جموعه بجمع القلة . « ولهذه الأيام يا رسول اللّه أقام اللّه تعالى أوده برّا بوجهك الوجيه ورعيا ، وإنجازا لوعدك وهو الذي لا يحلف وعدا ولا يخيب سعيا ، وفتح لنا فتوحا أشعرتنا برضاه عن وطننا الغريب ، وبشّرتنا منه تعالى بغفر التقصير ورفع التثريب ، ونصرنا وله المنّة على عبدة الصليب ، وجعل لألفنا الرّديني ولا منا السّردي حكم التغليب ، وإذا كانت الموالي التي طوّقت الأعناق مننها ، وقررت العوائد الحسان سيرها وسننها ، تبادر إليها نوّابها الصرحاء وخدامها النصحاء بالبشائر ، والمسرات التي تشاع في العشائر ، وتجلو لديها نتائج أيديها ، وغايات مباديها ، وتتاحفها وتهاديها ، بمجاني جناتها وأزاهر غواديها ، وتطرف محاضرها بطرف بواديها ، فبابها يا رسول اللّه أولى بذلك وأحقّ ، ولك الحق الحق ، والحرّ منّا عبدك المسترق ، حسبما سجّله الرق ، وفي رضاك من كل من يلتمس رضاه المطمع ، ومثواك المجمع ، وملوك