ابن بطوطة

289

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

المراوح . وأعملوا فيه نبات الوخز غائصة غوص الأذهان ، أخذ من الألسنة الفاتقة رتوق البيان . ترسل خيوطها أسرع من البريق وتغادر الأنامل وكأنّها أفراس رهان تبارت في لا سبق ، عارفة كالأصولي بالجرح إلا أنها جاهلة بالفرق . ضيّقة العيون كالأتراك ، ناحلة الجسوم كالعابدين النسّاك ، إلا أنّها تبيّن لها الخيط الأبيض لا تدين بالإمساك . فالتأمت أجزاؤه أحسن الالتئام ، والتحمت على وفق الإبداع أجمل الالتحام . وتجانست أنحاؤه وتطابقت ، وتناسبت ميامنه ومياسره وتوافقت . وجمع بشرائطه شرائط الكمال ، واختار من لونه وهو البياض طراز الجمال . وصنعت له عمد مثقفة كالقداح ، موشاة كأثواب الخود الرداح . بأسافلها زجاج حديد كبير الأجرام ، تشقّ الأرض شقّ الغرام قلب المستهام . وتقرّ في الترب كأنها جذور النخل الباسقة ، وعروق الأزرة السامية السامقة . فتقف تلك العمد متناسقة الصفوف ، جائبة لمعنى في غيرها وزهى الملك منها بصحيفة دلّ على شرف ما فيها عنوانها . ذات الاطناب التي تمتد امتداد أشعة الشمس ، وتحل أوتادها من الأرض محل النفس من الجسم والسر من النفس . قائمة لفارس كإيوان كسرى ، مزدانة بأنواره التي هي أفخر من أنوار البدر وأسرى . ويتصل بها البيت الأعظم الذي كاد يبلغ الفرقدين ، وتصير ذات العماد منه إلى ذي العمادين . بديع المحاسن جميل المسافر ، بهي المناظر ، زكي المخابر . وسيع مقام الاستضراب ، ممتد شأو الاستنخاب . وتتّصل به القبّة التي هي ثالثة التعزيز ، وسمة شرف التمييز . ذات الحسن الفائق ، والجمال الرائق . والشكل البديع ، والاستنباط المرضى التأصيل والتفريع . وبغربي هذه المساكن خيمة الشعر التي أعجز وصفها الشعراء ، وأنست بألوانها وبدائع صنعتها وشي صنعاء . قريبة التداني ، منيفة على أوثق المباني ، مستطيلة الشكل كالفجر الأول ، مستطيرة الذكر المنزّهة عن التداني ، وخلال الأقيال ( العياهلة ) الذين فازوا من دنياهم بنيل الأماني . وفي أفراق السعيد من الأخبية والبيوت ما يشابه الكواكب في جمالها وازدحامها ، ويشابه العقود النفائس في حسنها وانتظامها . كل ذلك مما نشأ في مظاهر الإبداع والإتقان ، وصنع في أسعد الأوقات والأزمان . واستفرغ في تنجيده الوسع ، ونعم برؤيته البصر وبوصفه السمع . وأمام باب أفراق قبّة الجلوس وهي قبّة ليست بالكبيرة إلّا أنّها في غاية الاحتفال ،