ابن بطوطة
242
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
للرعي رعينا الدواب به ، ولم نزل كذلك حتى ضاع في الصحراء رجل يعرف بابن زيري فلم أتقدم بعد ذلك ولا تأخرت ، وكان ابن زيري وقعت بينه وبين ابن خاله ، ويعرف بابن عدي ، منازعة ومشاتمة فتأخّر عن الرفقة فضلّ ، فلما نزل الناس لم يظهر له خبر ، فأشرت على ابن خاله بان يكتري من مسّوفة من يقصّ أثره لعله يجده ، فأبى . وانتدب في اليوم الثاني رجل من مسوفة دون أجرة لطلبه فوجد أثره وهو يسلك الجادة طورا ويخرج عنها تارة ، ولم يقع له على خبر ، ولقد لقينا قافلة في طريقنا فأخبرونا أن بعض رجال انقطعوا عنهم فوجدنا أحدهم ميتا تحت شجيرة من أشجار الرّمل ، وعليه ثيابه وفي يده سوط ، وكان الماء على نحو ميل منه . ثم « 15 » وصلنا إلى تاسرهلا « 16 » ، بفتح التاء المثناة والسين المهمل والراء وسكون الهاء ، وهي أحساء ماء تنزل القوافل عليها ، ويقيمون ثلاثة أيام فيستريحون ويصلحون أسقيتهم ويملؤونها بالماء ويخيطون عليها التلاليس « 17 » خوف الرّيح ، ومن هناك يبعث التّكشيف « 18 » . ذكر التكشيف والتكشيف : اسم لكل رجل من مسوفة يكتريه أهل القافلة فيتقدم إلى إيوالّاتن بكتب الناس إلى أصحابهم بها ليكتروا لهم الدور ويخرجون للقائهم بالماء مسيرة أربع ، ومن لم يكن له صاحب بايوالّاتن كتب إلى من شهر بالفضل من التجار بها فيشاركه في ذلك ، وربما هلك التّكشيف في هذه الصحراء ، فلا يعلم أهل إيوالّاتن بالقافلة ، فيهلك أهلها أو الكثير منهم . وتلك الصحراء كثيرة الشياطين « 19 » ، فإن كان التكشيف منفردا لعبت به واستهوته حتى يضلّ عن قصده فيهلك إذ لا طريق يظهر بها ولا أثر ، إنما هي رمال تنسفها الريح فترى جبالا من الرمل في مكان ثم تراها قد انتقلت إلى سواه ، والدليل هنالك من كثر تردّده ،
--> ( 15 ) الميل العربي يعادل تقريبا أقل من كيلوميترين أما الميل الروماني فلا يعدو كيلو ميترا ونصفا تقريبا . ( 16 ) حول ( تاسرهلا ) أورد الأب جوزيف م . كوك J . M . Couq سالف الذكر في تأليفه القيّم حول مصادر تاريخ إفريقيا العربية ( التعليق 7 ) تعليقا مسهبا حول الموضوع . . . ويظهر أن الأحساء المقصودة هي بئر الگصيب الذي يبعده 250 ك . م عن محطة تغازّى و 480 عن محطة ولاته Mauny : textes et documents P . 38 N 0 4 ( 17 ) التلاليس ج تلّيس ويعني في الدارجة المغربية وعاء كبيرا ينسج من الصوف أو الشعر يصلح في العادة لحمل الحنطة وما أشبه . ( 18 ) الكلمة تعني معرفة معالم الطريق ومسالكها ، والشخص الذي يدل على ذلك يحمل اسم الكشاف على نحو ما نعيشه اليوم مع الحركة العالمية للكشفية ( Scoutisme ) ، وهكذا يكون معنى التكشيف : صاحب التكشيف ، وهو الدور الذي تقوم به اليوم الشركات السياحية في مختلف جهات العالم . . . ( 19 ) حديثه عن « الشياطين » في الصحراء يذكرني في نقاش جرى بين المجميين ونحن في الطريق إلى واحة سيوة ( مارس 1996 ) حول عزيف الرمل أو طبل الصحراء عند هبوب الرياح وتخلل المطر بينها . . .