ابن بطوطة
220
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
جعفر بن خطيبها وليّ الله تعالى أبا عبد الله الطنجالي « 31 » قاعدا بالجامع الأعظم ، ومعه الفقهاء ووجوه الناس يجمعون مالا برسم فداء الأساري الذين تقدم ذكرهم ، فقلت له : الحمد لله الذي عافاني ولم يجعلني منهم ! وأخبرته بما اتفق لي بعدهم ، فعجب من ذلك ، وبعث إلي بالضيافة رحمه الله وأضافني أيضا خطيبها أبو عبد الله الساحلي المعروف بالمعمّم « 32 » . ثم سافرت منها إلى مدينة بلش « 33 » وبينهما أربعة وعشرون ميلا ، وهي مدينة حسنة بها مسجد عجيب ، وفيها العناب والفواكه والتين كمثل ما بمالقة ، ثم سافرنا منها « 34 » إلى الحمّة وهي بلدة صغيرة لها مسجد بديع الوضع عجيب البناء وبها العين الحارة على ضفة واديها ، وبينها وبين البلد ميل أو نحوه ، وهنالك بيت لاستحمام الرجال وبيت لاستحمام النساء . ثم سافرت منها إلى مدينة غرناطة قاعدة بلاد الأندلس ، وعروس مدنها ، وخارجها لا نظير له في بلاد الدنيا ، وهو مسيرة أربعين ميلا يخترقه نهر شنيل « 35 » وسواه من الأنهار الكثيرة والبساتين والجنّات والرياضات والقصور والكروم محدقة بها من كل جهة ، ومن عجيب مواضعها عين « 36 » الدمع وهو جبل فيه الرياضات والبساتين ، لا مثل له بسواها .
--> ( 31 ) الطّنجالي والقصد إلى أحمد بن عبد الله بن أحمد بن يوسف . . . الهاشمي الطنجالي من أهل مالقة . . . أخذ عن أبيه وعن مالك بن المرحل وأجاز له جده أبو جعفر . . . كان قديم العدالة كثير الحياء ، أدركه أجله في شوال 764 - 1363 - الدرر 291 , l . ( 32 ) الساحلي أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الأنصاري الساحلي . . . كان طبقة من طبقات الكفاة ظرفا ورواء وعارضة وترتيبا تجلّل بفضل شهرة أبيه الذي كان سفيرا في بعض الظروف ، وبعض المخطوطات تنعته بالمعمّر بدل المعمم وهو غير صواب أدركه أجله بمالقة ليلة النصف من شعبان 54 - 7 - 1353 الإحاطة ج 3 ص 191 - 192 . ( 33 ) بلّش Velez ، القصد إلى بلّش مالقة ، ويقع في شرقها على بعد 24 ميلا . ( 34 ) ورد ذكر هذه الحمّة كثيرا في المصادر التي تحدثت عن المنطقة ، وخاصة منها نزهة الإدريسي ومسالك الأبصار للعمري معاصر ابن بطوطة الذي أدى عنها وصفا دقيقا . . . ومن تلك المصادر مخطوطة ( الروض الباسم ) في حوادث العمر والتراجم تأليف الشيخ عبد الباسط بن خليل الحنفي الملطي القاهري المتوفى 920 - 1514 ورقة 112 ب وقفت عليها في حاضرة الفاتيكان رقم 729 arabe وكتب عنها المستشرق روبير برونشفيك 6391 ( larose editeurs ) . ( 35 ) أطنب محمد بن عبد الوهاب الغسّاني سفير السلطان مولاي إسماعيل لدى الملك گارلوص الثاني 1102 - 1690 في وصف شنيل . . . وقد ذكّره سحر هذا النهر الذي ينحدر من وادي آش فيما قالته حمدة الشاعرة الأندلسية الوادي آشية : أباح الدمع أسراري بواد * له في الحسن " آثار " بوادي ! ( 36 ) عين الدّمع بقعة من ضواحي غرناطة كانت منتزها بديعا إذ كانت تغص بالمروج والحدائق الغنّاء ، وقد استمرت تحتفظ ببقية من سحرها القديم . . . ويشغل موقعها سطح تلال البيازين التي تطل على المرج وكانت تسمى عين الدّمعة ويقال إن آخر ملوك غرناطة ذرفت دموعه وهو يودعها ! وقد تحرف هذا الاسم عند الاسبان إلى ( Dinamar ) ، وقد ورد ذكر ( عين الدمع ) في شعر كثير نذكر منه قول أبي البركات ابن الحاج البلفيقي وهو من شيوخ ابن الخطيب : الأقل لعين الدمع يهمي بمقلتي + لفرقة عين الدمع وقفا على الدّم ! وقد ظهرت عين الدمع في خريطة بني نصر بغرناطة انظر الصورة 3 من كتاب Rachel Arie : l'Espagne musulmane au Paris 1993 Temps de Nasrides .