ابن بطوطة
181
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
حكاية [ الفقير الصائم ] وبينما نحن بتلك الزاوية إذ دخل علينا أحد الفقراء فسلّم وعرضنا عليه الطّعام فأبى ، وقال : إنما قصدت زيارتكم ولم يزل ليلته تلك ساجدا وراكعا ، ثم صلّينا الصبح ، واشتغلنا بالذكر ، والفقير بركن الزاوية فجاء الشيخ بالطعام ودعاه ، فلم يجبه فمضى إليه فوجده ميّتا ، فصلينا عليه ودفناه رحمة الله عليه ! ثم سافرت إلى المحلة الكبيرة ثم إلى نحرارية ثم إلى أبيار ، ثم إلى دمنهور « 55 » ، ثم إلى الإسكندرية « 56 » فوجدت الوباء قد خف بها بعد أن بلغ عدد الموتى إلى ألف وثمانين في اليوم ، ثم سافرت إلى القاهرة ، وبلغني أن عدد الموتى أيام الوباء انتهى فيها إلى أحد وعشرين ألفا في اليوم ! ووجدت جميع من كان بها من المشايخ الذين أعرفهم قد ماتوا رحمهم الله تعالى . ذكر سلطانها وكان ملك ديار مصر في هذا العهد الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاون ، وبعد ذلك خلع عن الملك وولي أخوه الملك الصّالح « 57 » . ولما وصلت القاهرة وجدت قاضي القضاة عز الدين بن قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة « 58 » قد توجه إلى مكة في ركب عظيم يسمونه الرّجبي لسفرهم في شهر رجب . . . وأخبرت أن الوباء لم يزل معهم حتى وصلوا عقبة أيلة « 59 » فارتفع عنهم . ثم سافرت من القاهرة ، على بلاد الصعيد ، وقد تقدم ذكرها . إلى عيذاب « 60 » وركبت منها البحر فوصلت إلى جدة « 61 » ، ثم سافرت منها إلى مكة شرفها الله تعالى وكرمها
--> ( 55 ) انظر I ، 56 - 54 - 55 - 49 حول الأمكنة المذكورة . ( 56 ) حول وصف ابن بطوطة للإسكندرية يراجع الجزء I ، 27 - 47 . ( 57 ) إلى هذا الملك توجه صفيّ الدين الحلي يحرضه على الحذر من المغول في قصيدة مطلعها : لا يمتطي المجد من لم يركب الخطرا * ولا ينال العلا من قدم الحذرا السيد أحمد الهاشمي بك : جواهران 1347 - 1928 ص 748 ( 58 ) انظر الجزء I ، ص 88 . ( 59 ) جزء I ، 256 . ( 60 ) حول سفرته الأولى عبر الصعيد إلى عيذاب يراجع I ص 94 - 111 . ( 61 ) حول زيارته الأولى إلى جدة يراجع الجزء II ، 156 - 158 .