ابن بطوطة

149

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

حكاية المشعوذ وفي تلك الليلة حضر أحد المشعوذة ، وهو من عبيد القان ، فقال له الأمير : أرنا من عجائبك ! فأخذ كرة خشب لها ثقب ، فيها سيور طوال فرمى بها إلى الهواء فارتفعت حتى غابت عن الأبصار ، ونحن في وسط المشور أيام الحر الشديد ، فلما لم يبق من السير في يده إلا يسير أمر متعلّما له فتعلق به وصعد في الهواء إلى أن غاب عن أبصارنا ، فدعاه فلم يجبه ثلاثا فأخذ سكينا بيده كالمعتاظ وتعلق بالسير إلى أن غاب أيضا ! ثم رمى بيد الصبي إلى الأرض ، ثم رمى برجله ثم بيده الأخرى ثم بجسده ثم برأسه ، ثم هبط وهو ينفخ وثيابه ملطخة بالدم ، فقبّل الأرض بين يدي الأمير ، وكلمه بالصيني ، وأمر له الأمير بشيء ، ثم إنه أخذ أعضاء الصبي فألصق بعضها ببعض وركضه برجله فقام سويّا ! فعجبت منه ، وأصابني خفقان القلب كمثل ما كان أصابني عند ملك الهند حين رأيت مثل ذلك ، فسقوني دواء أذهب عني ما وجدت . وكان القاضي أفخر الدين إلى جانبي فقال لي : والله ما كان من صعود ولا نزول ولا قطع عضو ، وإنما ذلك شعوذة ! وفي غد تلك الليلة دخلنا من باب المدينة الخامسة وهي أكبر المدن يسكنها عامة الناس ، وأسواقها حسان وبها الحذّاق بالصنائع وبها تصنع الثياب الخنساوية ، ومن عجيب ما يصنعون بها أطباقا يسمونها الدّست « 83 » ، وهي من القصب وقد ألصقت قطعه أبدع إلصاق ودهنت بصبغ أحمر مشرق ، وتكون هذه الأطباق عشرة واحدا في جوف آخر رقّتها تظهر لرائيها كأنها طبق واحد ويصنعون غطاء يغطي جميعها ويصنعون من هذا القصب صحافا ، ومن عجائبها أن تقع من العلوّ فلا تنكسر ويجعل فيها الطعام السخن فلا يتغيّر صباغها ولا يحول ، وتجلب من هنالك إلى الهند وخراسان وسواها . ولما دخلنا هذه المدينة بتنا ليلة في ضيافة أميرها ، وبالغد دخلنا من باب يسمى كشتي بانان إلى المدينة السادسة ، ويسكنها البحرية والصيادون والجلافطة والنجارون ، ويدعون داد

--> ( 83 ) إحالة على I ، 187 نقول . . . من معاني الدست أيضا ، واللفظ فارسي ، رقعة الشطرنج ، ويقولون فلان حسن الدّست شطرنجي حاذق ، وإذا خاب أحدهم قيل : تم عليه الدست ، قال ابن شرف القيرواني : خلت الدّسوت من الرخا * خ ففرزنت فيها البيادق ! ! ويذكر دوزى من معاني الكلمة العرش والبساط - د . النعيمي : ألفاظ من رحلة ابن بطوطة مجلة المجمع العلمي العراقي المجلد 24 - 1974 .