ابن بطوطة

119

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ووصلنا إلى مرسى قاقله فوجدنا به جملة من الجنوك معدة للسرقة ، ولمن يستعصى عليهم من الجنوك ، فإن لهم على كلّ جنك وظيفة ، ثم نزلنا من الجنك إلى مدينة قاقلة وهي بقافين أخرهما مضموم ولامها مفتوح ، وهي مدينة حسنة عليها سور من حجارة منحوتة ، عرضه بحيث تسير فيه ثلاثة من الفيلة ! وأول ما رأيت بخارجها الفيلة عليها الأحمال من العود الهندي يوقدونه في بيوتهم ، وهو بقيمة الحطب عندنا ، أو أرخص ثمنا ، هذا إذا ابتاعوا فيما بينهم ، وأما للتجار فيبيعون الحمل منه بثوب من ثياب القطن ، وهي أغلى عندهم من ثياب الحرير . والفيلة بها كثيرة جدا ، عليها يركبون ويحملون ، وكلّ إنسان يربط فيلته على بابه وكلّ صاحب حانوت يربط فيله عنده ، ويركبه إلى داره وتحمل ، وكذلك جميع أهل الصين والخطا على مثل هذا الترتيب « 21 » . ذكر سلطان مل‌جاوة وهو كافر رأيته خارج قصره جالسا على قبة ليس بينه وبين الأرض بساط ، ومعه أرباب دولته والعساكر يعرضون عليه مشاة ، ولا خيل إلا عند السلطان ، وانما يركبون الفيلة ، وعليها يقاتلون ، فعرف شأني ، فاستدعاني فجئت وقلت : السلام على من اتبع الهدى ، فلم يفقهوا إلا لفظ السلام ! فرحّب بي ، وأمر أن يفرش لي ثوب أقعد عليه ، فقلت للترجمان : كيف أجلس على الثوب والسلطان قاعد على الأرض ؟ فقال : هكذا عادته يقعد على الأرض تواضعا ، وأنت ضيف ، وجئت من سلطان كبير ، فيجب إكرامك ، فجلست وسألني عن السلطان ، فأوجز في سؤاله ، وقال لي : تقيم عندنا في الضيافة ثلاثة أيام ، وحينئذ يكون انصرافك . ذكرى عجيبة رأيتها بمجلسه ورأيت في مجلس هذا السلطان رجلا بيده سكين شبه سكين المسفّر قد وضعه على رقبة نفسه ، فوقع رأسه لحدة السكين وشدّة امساكه بالأرض ، فعجبت من شأنه ، وقال لي السلطان : أيفعل أحد هذا عندكم ؟ فقلت له : ما رأيت هذا قط ! فضحك ، وقال : هؤلاء عبيدنا يقتلون أنفسهم في محبّتنا ! ! وأمر به فرفع وأحرق ، وخرج لإحراقه النواب وأرباب الدولة

--> ( 21 ) حديث ابن بطوطة عن استعمال أهل الصين والخطا للفيل على نحو ما هو في الهند ، حرك بعض المعلقين الذين قالوا : ان الفيل انما يستعمله المغول ( الحكام في الصين ) للأغراض الحربية وأحيانا في بعض الجهات الجنوبية ، بلاد الخطا ( Cathey ) التي تعني شمال الصين لم تكن تابعة لحكم دولة سونك إلى أن أتم قوبيلاي Qubilai فتحه للبلاد كلها - السّرقة هنا تعني القرصنة .