ابن بطوطة

72

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

عشرة أيام ، وبين بلاد السند وحضرة السلطان مدينة دهلي مسيرة خمسين يوما ، وإذا كتب المخبرون إلى السلطان من بلاد السند يصل الكتاب إليه في خمسة أيام بسبب البريد ذكر البريد والبريد ببلاد الهند صنفان : فأما بريد الخيل فيسمون الولاق « 3 » بضم الواو وآخره قاف ، وهو خيل تكون للسلطان في كل مسافة أربعة أميال ، وأما بريد الرجّالة فيكون في مسافة الميل الواحد منه ثلاث رتب ، ويسمونها الدّاوة « 4 » بالدال المهمل والواو ، والدّاوة هي ثلث ميل ، والميل عندهم يسمى الكروه « 5 » بضم الكاف والراء ، وترتيب ذلك أن يكون في كلّ ثلث ميل قرية معمورة ، ويكون بخارجها ثلاث قباب ، يقعد فيها الرجال مستعدّين للحركة قد شدّوا أوساطهم ، وعند كلّ واحد منهم مقرعة مقدار ذراعين بأعلاها جلاجل نحاس ، فإذا خرج البريد من المدينة أخذ الكتاب بأعلى يده ، والمقرعة ذات الجلاجل باليد الأخرى ، وخرج يشتد بمنتهى جهده فإذا سمع الرجال الذين بالقباب صوت الجلاجل تأهبوا له ، فإذا وصلهم أخذ أحدهم الكتاب من يده ومر بأقصى جهده وهو يحرك المقرعة حتى يصل إلى الدّاوة الأخرى ولا يزالون كذلك حتى يصل الكتاب إلى حيث يراد منه . وهذا البريد أسرع من بريد الخيل ، وربما حملوا على هذا البريد الفواكه المستطرفة بالهند ، من فواكه خراسان ، يجعلونها في الأطباق ويشتدون بها حتى تصل إلى السلطان ، وكذلك يحملون أيضا الكبار من ذوي الجنايات ، يجعلون الرجل منهم على سرير ويرفعونه فوق رؤوسهم ويسيرون به شدا ، وكذلك يحملون الماء لشرب السلطان إذا كان بدولة أباد ، يحملونه من نهر الكنك الذي تحجّ الهنود إليه . وهو على مسيرة أربعين يوما منها ، وإذا كتب المخبرون إلى السلطان بخبر من يصل إلى بلاده ، استوعبوا الكتاب وأمعنوا في ذلك وعرّفوه أنه ورد رجل صورته كذا ، ولباسه كذا ، وكتبوا عدد أصحابه وغلمانه وخدامه ودوابه وترتيب حاله في حركته وسكونه ، وجميع تصرفاته لا يغادرون من ذلك كلّه شيئا ، فإذا وصل الوارد إلى مدينة ملتان وهي قاعدة بلاد

--> ( 3 ) الولاق : لفظ تركي يستعمل حتى اليوم ، والبريد كلمة عربية من أصل لاتيني ( veredus ) على ما يلاحظه الپروفيسور گيب ومعلوم أن البريد كان من مهام الدولة وليس للخواص حق مباشرته ، هذا ويلاحظ أنه - على نحو ما قرأناه عن الهند ، فإن البريد بالمغرب تميز طوال التاريخ بنظام محكم ، وكان فيه البريد العادي والبريد السريع - د . التازي : التاريخ الدبلوماسي للمغرب ج . 2 ، 227 - 232 . ( 4 ) الدّاوة : الكلمة من أصل فارسي ( daw ) الركض والجري . ( 5 ) الكروه الكلمة من الأوردو ( kuroh ) ، يعني ثلث الفرسخ وإن المعادلة بين هذه المقاييس وبين الميل والكيلوميتر تبقى تقريبية .