ابن بطوطة

37

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

وأهل سمرقند لهم مكارم أخلاق ومحبة في الغريب وهم خير من أهل بخارى ، وبخارج سمرقند قبر قثم ابن العباس « 74 » بن عبد المطلب رضي الله عن العباس وعن ابنه وهو المستشهد حين فتحها ، ويخرج أهل سمرقند كلّ ليلة اثنين وجمعة إلى زيارته ، والتتر يأتون لزيارته ، وينذرون له النذور العظيمة ويأتون إليه بالبقر والغنم والدراهم والدنانير فيصرّف ذلك في النفقة على الوارد والصادر ولخدام الزاوية والقبر المبارك وعليه قبة قائمة على أربع أرجل ، ومع كلّ رجل ساريتان من الرخام منها الخضر والسّود والبيض والحمر ، وحيطان القبة بالرخام المجزّع المنقوش بالذهب ، وسقفها مصنوع بالرصاص ، وعلى القبة خشب الآبنوس المرصع مكسو الأركان بالفضة وفوقه ثلاثة من قناديل الفضة ، وفرش القبة بالصوف والقطن « 75 » وخارجها نهر كبير يشقّ الزّاوية التي هنالك وعلى حافّتيه الأشجار ودوالي العنب والياسمين ، وبالزاوية مساكن يسكنها الوارد والصادر ، ولم يغيّر التتر أيام كفرهم شيئا من حال هذا الموضع المبارك بل كانوا يتبرّكون به لما يرون له من الآيات ، وكان الناظر « 76 » في كل حال هذا الضريح المبارك وما يليه . حين نزولنا به ، الأمير غياث الدّين محمد بن عبد القادر بن عبد العزيز بن يوسف بن الخليفة المستنصر بالله العباسي ، وقدّمه لذلك السلطان طرمشيرين لما قدم عليه من العراق وهو الآن عند ملك الهند ، وسيأتي ذكره . ولقيت بسمرقند قاضيها المسمى عندهم صدر الجهان « 77 » ، وهو من الفضلاء ذوي المكارم ، وسافر إلى بلاد الهند بعد سفري إليها فأدركته منيته بمدنية ملتان قاعدة بلاد السند

--> ( 74 ) استشهد قثم عام 56 ه - 676 أثناء حصار المدينة حيث ورد صحبة سعيد بن عثمان وانتشر الإسلام بسببه في آسيا الوسطى وما وراء النهر . ويقع قبره في المجموعة المعمارية التي تحمل اسم شاه زنده : ( الأمير الحيّ ) التي تعتبر من أهم المجموعات الأثرية في آسيا الوسطى ، ولكن الوصف اليوم يختلف كثيرا عما كان أيام ابن بطوطة . . . إن الضريح اليوم - كما وقفنا عليه - يقع في بيت مربع حيث طليت صفائح الخزف المنقوشة بالميناء الفيروزيّ اللون ، لقد نقشت على القبر هذه الكلمات : هذا مرقد أمير المؤمنين قثم بن العباس رضي الله عنه ابن عم سيد المرسلين وخاتم النبيئين ورسول رب العالمين عليه السلام . . . هذا ويفترض بعض المعلّقين أن الاهتمام بهذا الضريح لم يتم إلّا أيام العباسيين لأنهم يجدون في ذلك احياء لذكرهم جدّهم العباس - بارتولد : تركستان : ص 182 - 183 . ( 75 ) ليس القصد إلى تفريش الأرض ولكن كذلك إلى تغطية الجدران وتأثيث الزاوية . ( 76 ) تعتبر وظيفة « الناظر » من الوظائف الهامة في الحكومة المغربية وهي تختص بالنظر في الأوقاف المخصصة لسير المساجد والزوايا وأحيانا لمساعدة بعض المشاريع الاجتماعية وافتداء الأسرى . . . ويستعمل اللفظ لحد الآن في الإدارة المغربية لهذا الغرض . ( 77 ) سبق أن ذكرنا أن كلمة الصدر ربما كانت في المشرق تعني قاضي القضاة على ما سبق ، وصدر الجهان تعني قاضي الدنيا . . .