ابن بطوطة

241

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ذكر الجملين الّذين أهديتهما إليه والحلواء ، وأمره بخلاص ديني وما تعلّق بذلك . ولمّا عاد إليّ راجلي الذي بعثته بالجمل فأخبرني بما كان من شأنه صنعت كورين اثنين وجعلت مقدم كلّ واحد ومؤخّره مكسوا بصفائح الفضّة المذهّبة وكسوتهما بالملفّ ، وصنعت رسنا مصفّحا بصفائح الفضّة ، وجعلت لهما جلّين من زرد خانة مبطّنين بالكمخا ، وجعلت للجملين الخلاخيل من الفضّة ، وصنع 5 ت أحد عشر طيفورا وملأتها بالحلواء ، وغطيت كلّ طيفور بمنديل حرير ، فلمّا قدم السلطان من الصيد وقعد ثاني يوم قدومه بموضع جلوسه العامّ ، غدوت عليه بالجمال فأمر بها فحرّكت بين يديه وهرولت ، فطار خلخال أحدها فقال لبهاء الدين بن الفلكيّ : بّايل ورداري ، معنى ذلك ارفع الخلخال ، فرفعه ، ثمّ نظر إلى الطيافير ، فقال : جدّاري دران طبقها حلوا است ، معنى ذلك : ما معك في تلك الأطباق ؟ حلواء هي ؟ فقلت له : نعم فقال للفقيه ناصر الدين الترمذيّ الواعظ : ما أكلت قط ولا رأيت مثل الحلواء التي بعثها إلينا ونحن بالمعسكر . ثمّ أمر بتلك الطّيافير أن ترفع لموضع جلوسه الخاصّ ، فرفعت وقام إلى مجلسه واستدعاني ، وأمر بالطّعام ، فأكلت ، ثمّ سألني عن نوع من الحلواء الذي بعثت له قبل ، فقلت له يا خوند عالم ، تلك الحلواء أنواعها كثيرة ولا أدري عن أيّ نوع تسألون منها ؟ فقال : ائتو بتلك الأطباق ، وهم يسمّون الطيفور طبقا ، فأتوا بها وقدّموها بين يديه وكشفوا عنها فقال عن هذا سألتك ، وأخذ الصحن الذي هي فيه فقلت له : هذه يقال لها : المقرضة « 109 » ، ثمّ اخذ نوعا آخر فقال : وما اسم هذه فقلت له : هي لقيمات القاضي ، وكان بين يديه تاجر من شيوخ بغداد يعرف بالسّامريّ ، وينتسب إلى آل العبّاس رضي اللّه تعالى عنه ، وهو كثير المال ويقول له السلطان : والدي ، فحسدني وأراد أن يخجلني ، فقال : ليست هذه لقيمات القاضي بل هي هذه ، وأخذ قطعة من التي تسمّى جلد الفرس « 110 » ، وكان بإزائه ملك الندماء ناصر الدين الكافيّ الهرويّ ، وكان كثيرا ما يمازح هذا الشيخ بين يدي السلطان ، فقال له : يا خواجة أنت تكذب ، والقاضي يقول الحقّ فقال له السلطان : وكيف ذلك ؟ فقال : ياخوند عالم ! هو القاضي وهي لقيماته فانّه أتى بها ، فضحك السلطان ، وقال : صدقت !

--> ( 109 ) سائر النسخ ترسم المقرصة ( بالصاد ) الا النسخة التي تحتفظ به الخزانة العامة بالرباط . . . فترسم ( الضاد ) عوض الصاد : المقرضة وهو الاستعمال الذي يجري على الألسنة إلى اليوم في بلاد المغرب وبخاصة في تونس . . . ( 110 ) عندما كان ابن بطوطة في زيارته لبعلبك تحدث عن حلواء تصنع من مربّى يجعل فيها الفستق واللوز ويسمّونها بالملبّن ، كما يسمّونها أيضا بجلد الفرس i ، 186 .