ابن بطوطة

222

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ذكر قتال مقبل وابن الكولمي وكان ذلك قبل خروج القاضي جلال وخلافه ، وكان تاج الدين بن الكولميّ « 72 » من كبار التجار فوفد على السلطان من أرض التّرك بهدايا جليلة منها المماليك والجمال والمتاع والسلاح والثياب ، فأعجب السلطان فعله وأعطاه اثنى عشر لكّا ، ويذكر أنّه لم تكن قيمة هديّته الّا لكّا واحدا ، وولّاه مدينة كنباية ، وكانت لنظر الملك مقبل نائب الوزير ، فوصل إليها وبعث المراكب إلى بلاد المليبار وجزيرة سيلان وغيرها ، وجاءته التحف والهدايا في المراكب وضخمت حاله ، ولما عزم على أن يبعث أموال تلك الجهات إلى الحضرة بعث الملك مقبل إلى ابن الكولميّ أن يبعث ما عنده من الهدايا والأموال مع هدايا تلك الجهات على العادة ، فامتنع ابن الكولمي من ذلك ، وقال : أنا أحملها بنفسي أو أبعثها مع خدّامي ولا حكم لنائب الوزير عليّ ولا للوزير ، واغترّ بما أولاه السلطان من الكرامة والعطيّة فكتب مقبل إلى الوزير بذلك فوقّع له الوزير على ظهر كتابه : إن كنت عاجزا عن بلادنا فاتركها وارجع الينا ، فلمّا بلغه الجواب تجهّز في عسكره ومماليكه والتقيا بظاهر كنباية فانهزم ابن الكولميّ ، وقتل جماعة من الفريقين واستخفى ابن الكولميّ في دار الناخوذة إلياس أحد كبراء التجار . ودخل مقبل المدينة فضرب رقاب أمراء عسكر ابن الكولميّ وبعث له الأمان على أن يأخذ ماله المختصّ به ويترك مال السلطان وهديّته ومجبي البلد ، وبعث مقبل بذلك كلّه مع خدّامه إلى السلطان وكتب شاكيا من ابن الكولميّ ، وكتب ابن الكولميّ شاكيا منه ، فبعث السلطان ملك الحكماء ليتنصّف بينهما ، وبإثر ذلك كان خروج القاضي جلال الدين فنهب مال ابن الكولميّ ، وفرّ ابن الكولميّ في بعض مماليكه ولحق بالسلطان . ذكر الغلاء الواقع بأرض الهند وفي مدّة مغيب السلطان عن حضرته إذ خرج بقصد بلاد المعبر ، وقع الغلاء واشتدّ الأمر « 73 » وانتهى المنّ إلى ستّين درهما ، ثمّ زاد على ذلك ، وضاقت الأحوال وعظم الخطب ولقد خرجت مرّة إلى لقاء الوزير فرأيت ثلاث نسوة يقطعن قطعا من جلد فرس مات منذ أشهر ويأكلنه وكانت الجلود تطبخ وتباع في الأسواق ، وكان الناس إذا ذبحت البقر أخذوا دماءها فأكلوها !

--> ( 72 ) الحديث عن هذه الشخصية وعن تاريخها مما استأثر به الرحّالة ابن بطوطة - 369 , iii . ( 73 ) يراجع التعليق رقم 39 حول المجاعة التي أصابت البلاد .