ابن بطوطة
213
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
وباتوا تلك الليلة على أهبة ولمّا كان اليوم الثالث بلغ الخبر بأن عين الملك الثائر أجاز النهر فخاف السلطان من ذلك وتوقّع انّه لم يفعله الّا بعد مراسلة الامراء الباقين مع السلطان ، فأمر في الحين بقسم الخيل العتاق على خواصّه وبعث لي حظّا منها ، وكان لي صاحب يسمّى أمير أميران الكرمانيّ من الشجعان ، فأعطيته فرسا منها أشهب اللون فلمّا حرّكه جمح به ، فلم يستطع إمساكه ورماه عن ظهره فمات رحمه الله تعالى . وجدّ السلطان ذلك اليوم في مسيره ، فوصل بعد العصر إلى مدينة قنّوج وكان يخاف أن يسبقه القائم إليها وبات ليلته تلك يرتّب الناس بنفسه ووقف علينا ونحن في المقدمة مع ابن عمّه ملك فيروز ومعنا الأمير غدا ابن مهنّى « 47 » والسيّد ناصر الدين مطهّر وامراء خراسان ، فأضافنا إلى خواصّه وقال : أنتم أعزّة عليّ ما ينبغي أن تفارقوني ، وكان في عاقبة ذلك الخير فإن القائم ضرب في آخر الليل على المقدمة ، وفيها الوزير خواجة فقامت ضجّة في الناس كبيرة فحينئذ أمر السلطان أن لا يبرح أحد عن مكانه ولا يقاتل الناس الّا بالسيوف فاستلّ العسكر سيوفهم ونهضوا إلى أصحابهم وحمى القتال ، وأمر السلطان أن يكون شعار جيشه دهلي وغزنة ، فإذا لقى أحدهم فارسا قال له : دهلي ، فإن أجابه بغزنة علم أنّه من أصحابه والّا قاتله . وكان القائم إنّما قصد أن يضرب على موضع السلطان فأخطأ به الدليل فقصد موضع الوزير فضرب عنق الدّليل . وكان في عسكر الوزير الأعاجم والترك والخراسانيّون ، وهم أعداء الهنود فصدقوا القتال وكان جيش القائم نحو الخمسين ألفا فانهزموا عند طلوع الفجر وكان الملك إبراهيم المعروف بالبنجيّ ، بفتح الباء الموحدة وسكون النون وجيم ، التتريّ قد اقطعه السلطان بلاد سنديلة وهي قرية من بلاد عين الملك فاتّفق معه على الخلاف وجعله نائبه وكان داود بن قطب الملك وابن ملك التجار على فيلة السلطان وخيله فوافقاه أيضا وجعل داود حاجبه . وكان داود هذا لمّا ضربوا على محلّة الوزير يجهر بسبّ السلطان ويشتمه أقبح شتم ، والسلطان يسمع ذلك ويعرف كلامه ، فلمّا وقعت الهزيمة قال عين الملك لنائبه إبراهيم التتريّ : ما ذا ترى يا ملك إبراهيم ؟ قد فرّ أكثر العسكر وذو النجدة منهم ، فهل لك أن ننجو بأنفسنا ؟ فقال إبراهيم لأصحابه بلسانهم ، إذا أراد عين الملك ان يفرّ فانّي سأقبض على دبّوقته ، فإذا فعلت ذلك فاضربوا أنتم فرسه ليسقط إلى الأرض فنقبض عليه ونأتي به السلطان ليكون ذلك كفارة لذنبي في الخلاف معه وسببا لخلاصي ، فلمّا أراد عين الملك الفرار قال له إبراهيم : إلى أين يا سلطان علاء الدين ؟ وكان يسمّى بذلك ، وامسك بدبّوقته وضرب
--> ( 47 ) حول سيف الدّين غدا ابن مهنّا - انظر 283 - 279 - 271 - 181 - 155 iii - 361 , i .