ابن بطوطة
187
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
دهلي وإخراجه أهلها ، فأخذ السلطان سيفه ودفعه لصدر الجهان ، وقال : يثبت هذا أني ظالم واقطع عنقي بهذا السيف ! فقال له شهاب الدين : ومن يريد أن يشهد بذلك فيقتل ، ولكن أنت تعرف ظلم نفسك ! وأمر بتسليمه للملك نكبية راس الدويداريّة ، فقيّده بأربعة قيود وغلّ يديه وأقام كذلك أربعة عشر يوما مواصلا لا يأكل ولا يشرب ! وفي كل يوم منها يؤتى به إلى المشور ويجمع الفقهاء والمشايخ ، ويقولون له ارجع عن قولك ، فيقول : لا أرجع عنه وأريد أن أكون في زمرة الشهداء ! فلما كان اليوم الرابع عشر بعث إليه السلطان بطعام مع مخلص الملك ، فأبى أن يأكل ، وقال : قد رفع رزقي من الأرض ! ارجع بطعامك إليه ! فلما أخبر بذلك السلطان أمر عند ذلك أن يطعم الشيخ خمسة إستار « 94 » من العذرة ! وهي رطلان ونصف من أرطال المغرب ، فأخذ ذلك الموكلون بمثل هذه الأمور ، وهم طائفة من كفار الهنود ، فمدّوه على ظهره وفتحوا فمه بالكلبتين وحلّوا العذرة بالماء ، وسقوه ذلك ، وفي اليوم بعده أتي به إلى دار القاضي صدر الجهان وجمع الفقهاء والمشايخ ووجوه الأعزة فوعظوه وطلبوا منه أن يرجع عن قوله فأبى ذلك فضربت عنقه ، رحمه الله تعالى ذكر قتله للفقيه المدرس عفيف الدين الكاساني « 95 » وفقيهين معه وكان السّلطان في سنين القحط قد أمر بحفر آبار خارج دار الملك ، وأن يزرع هنالك « 96 » زرع وأعطى الناس البذر وما يلزم على الزراعة من النفقة وكلفهم زرع ذلك للمخرن ، فبلغ ذلك الفقيه عفيف الدين ، فقال : هذا الزرع لا يحصل المراد منه ! فوشى به إلى السلطان فسجنه وقال : له لأي شيء تدخل نفسك في أمور الملك ؟ ثم إنه سرّحه بعد مدة فذهب إلى داره . ولقيه في طريقه إليها صاحبان له من الفقهاء ، فقالا له : الحمد لله على خلاصك ، فقال الفقيه : الحمد لله الذي نجّانا من القوم الظالمين « 97 » ، وتفرقوا فلم يصلوا إلى دورهم حتى بلغ ذلك السلطان ، فأمر بهم فأحضر ثلاثتهم بين يديه ، فقال : اذهبوا بهذا ، يعني عفيف
--> ( 94 ) إستار : الكلمة الهندية سر ( sir ) ، وتعادل تقريبا أربعمائة كرام ، هذا وإن مشاعر المرء لتصاب بالذهول وهو يسمع عن مثل هذه الحماقات التي تعتبر من البضاعات الرائجة في سوق السياسة ! ! على حد تعبير ابن الخطيب في الإعمال يراجع التعليق 86 . ( 95 ) ينتسب إلى كاسان مدينة كبيرة في أول بلاد تركستان وراء نهر سيحون ، معجم البلدان . ( 96 ) بلغ الناس من الضعف حالة لم يتمكنوا معها من القدرة على حفر الآبار ، وبلغوا من الجوع كذلك حالة لم يتمكنوا معها من القدرة على الاحتفاظ بالحبوب فأكلوها ، وهو الأمر الذي أدّى إلى موجة جديدة من القمع - كلمة المخزن هنا تعنى مدلولها في المغرب : الدّولة والحكومة . ( 97 ) القرآن الكريم ، السورة 23 ، الآية 28 .