ابن بطوطة

175

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

قديمة فأمر السلطان بإنزاله ببعض دور مدينة سيري التي لابن الخليفة ، وأمر أن تبنى له بها دار ، فبلغ ذلك ابن الخليفة فغضب منه ومضى إلى دار السلطان فجلس على البساط الذي عادته الجلوس عليه ، وبعث عن الوزير فقال له : سلم على خوند عالم ، وقل له إن جميع ما أعطانيه هو بمنزلي لم أتصرف في شيء منه بل زاد عندي ونما وأنا أقيم معكم ، وقام وانصرف ! فسأل الوزير بعض أصحابه عن سبب هذا ، فاعلمه أن سببه أمر السلطان ببناء الدار لملك غزنة في مدينة سيري ، فدخل الوزير على السلطان فأعلمه بذلك فركب من حينه في عشرة من ناسه وأتى منزل ابن الخليفة فاستأذن عليه ونزل عن فرسه خارج القصر حيث ينزل الناس فتلقاه واعتذر له ، فقبل عذره . وقال له السلطان : والله ما أعلم أنك راض عني حتى تضع قدمك على عنقي ! فقال له : هذا ما لا أفعله ولو قتلت ، فقال له السلطان وحق رأسي لا بد لك من ذلك ! ثم وضع رأسه في الأرض وأخذ الملك الكبير قبولة رجل ابن الخليفة بيده فوضعها على عنق السلطان ثم قام وقال : الآن علمت أنك راض عني وطاب قلبي ! وهذه حكاية غريبة لم يسمع بمثلها عن ملك ، ولقد حضرته يوم عيد وقد جاءه الملك الكبير بثلاث خلع من عند السلطان مفرّجة ، قد جعل مكان عقد الحرير التي تغلق بها حبات جوهر في قدر البندق الكبير ، وأقام الملك الكبير ببابه حتى نزل من قصره ، فكساه إياها والذي أعطاه هو مالا يحصره العد ولا يحيط به الحد ، وابن الخليفة مع ذلك كلّه أبخل خلق الله تعالى ! وله في البخل أخبار عجيبة يعجب منها سامعها وكأنه كان من البخل بمنزلة السلطان من الكرم ولنذكر بعض أخباره في ذلك . حكايات من بخل ابن الخليفة وكانت بيني وبينه مودة ، وكنت كثير التردد إلى منزله ، وعنده تركت ولدا لي سميته أحمد لما سافرت ، ولا أدري ما فعل الله به « 57 » ، فقلت له يوما : لم تأكل وحدك ولا تجمع أصحابك على الطعام ؟ فقال لي : لا أستطيع أن أنظر إليهم على كثرتهم وهم يأكلون طعامي ! فكان يأكل وحده ويعطي صاحبه محمد بن أبي الشرفي من الطعام لمن أحب ويتصرف في باقيه ! !

--> ( 57 ) حسب النّسخ التي اعتمدناها يوجد ( به ) ويعتمد الناشران الفرنسيان على النسخة رقم 2291 وفيها ( بهما ) . . . وعلى كلّ فإن هذا الكلام يدل على أن ابن بطوطة ترك ولدا يحمل اسم احمد عند هذا الأمير العباسي . . . فماذا عن مصير أحمد وعقبه في تلك الجهات ؟ !